البشر ليسوا بتلك المنطقية – دينيس ديدرو

يتحدث هلفيتيوس لديدرو عن البشر قائلا: إنني أعتبر الذكاء والعبقرية والفضيلة نتاج التعليم.

ويتساءل ديدرو: أيوجد شيء آخر ينتجهما غير التعليم؟

هلفيتيوس: بالنسبة لي تبدو الفكرة حقيقية وصحيحة دائما.

ديدرو: إنها فكرة مغلوطة كليا، وبالتالي لا يمكن قطعا إثبات صحتها.

هلفيتيوس: لقد اعترف نقادي بأن التعليم يؤثر على العبقرية وشخصية الأفراد والمجتمعات بدرجة أكبر مما كان يُعتَقد عنه في السابق.

ديدرو: وهذا هو كل ما يمكن أن يعترفوا لك به.

هلفيتيوس: إذا كان النظام التعليمي هو من يجعلنا نصل إلى ما نحن عليه الآن، فلماذا إذن نلقي باللوم على المعلم لما نراه من تفشي الجهل وغباء التلاميذ؟

ديدرو: ليس لدي أدنى معرفة بفلسفة وأنظمة تعليمية تتميز بأنها مسلية للآباء ومساندة للمعلمين، وتلك هي ميزتها! ولكن لا يوجد شيء أكثر ضررا منه على الأطفال عبر اعتبارهم بأنهم قادرين على فعل كل شيء.أنا لا أعرف أي وسيلة أخرى معدة لإنتاج مجتمع من متوسطي القدرة ومختصة في الإضرار بذلك العبقري الذي يقدر على عمل شيء واحد فقط-على الرغم من روعة هذا الأمر.

وأنا لا أعرف أي شيء أكثر خطورة من حث المشرفين التربويين والمعلمين على تشجيع الطلاب على الانخراط في تخصصات وفروع معرفية لا يملكون أي ميول داخلي نحوها، وفي نهاية المطاف يتم إرسال هذه الأجيال إلى عالم لم يعدوا فيه جيدين لأي شيء.

هل يولد الانسان صالحا أم شريرا؟

إن وصفك الإنسان بأنه خيّر فقط لكونه يفعل الحسن، وبأنه شرير فقط لاقترافه الذنوب والمساوئ، فإنه من الموكد أن الانسان يولد في هذه الحياة من غير هوية الخير أو الشر.

وأستطيع قول الشيء نفسه لو كان السؤال حينها: هل يولد الانسان ذكيا أم غبيا؟

ولكن هل الإنسان يولد ولديه ميول طبيعية نحو قول وفعل الأشياء الغبية، نحو إيذاء نفسه وزملائه، نحو العمل بنصائح أبويه أو عصيانهما، نحو الاجتهاد أو الكسل، نحو التعقل أو الاستياء والسخط، نحو احترام القوانين، أو ازدراءها وتجاهلها؟

الشخص الذي لم ير قط طفلين في حياته ولم يسمع بكاءهما في المهد فقط هو الذي لديه شكوك حول كيفية الإجابة على هذا النوع من الأسئلة. الإنسان يولد من غير صفات ولكنه يولد بقدرات وميول على العيش والتأقلم بنحو معين.

ديدرو: سيد هلفيتيوس، أتصور بأنك صياد؟

هلفيتيوس: نعم

ديدرو: هل ترى ذلك الجرو؟ ذو الساقين المقوسة والجسم الطويل، المتأرجح بخفة وصاحب الكمامة الضيقة، ذو الأقدام والجلد المبقعة بالأحمر؟

هلفيتيوس: نعم، ماذا عنه؟

ديدرو: إنه من سلالة الباست. هذه السلالة تملك رائحة عطرة وحماسة شديدة. هذا الجرو شجاع لدرجة أنه يختبئ في وجار الثعالب مع خطر الخروج بآذان وجوانب ممزقة.

هلفيتيوس: وماذا عن هذا؟

ديدرو: إنه كلب صيد، حيوان لا يكل ولا يمل.  يمتلك جلد قاسي يساعده على الاختراق والتسلل بين الشجيرات الشائكة.

هلفيتيوس: ماذا عن هذا الآخر؟

ديدرو: هذا يدعى بالساطر، لا أستطيع القول الكثير عنه من خلال النظر، هل سيكون سهل الانقياد أم لا؟ هل ستكون لديه حاسة شم جيدة أم لا؟ إنها مسألة تربية وتناسل.

هلفيتيوس: ماذا عن هذا الجرو الرابع؟

ديدرو: يبدو أنه سينمو ليصبح صائد جيد للعصافير.

هلفيتيوس: إذا هذه كلها تعتبر كلاب؟

ديدرو: نعم.

والآن قل لي، لدي مربي كلاب ماهر. أليس بمقدوري أن أطلب منه أن يربي الباست ليصبح كلب صيد، وأن يدرب كلب الصيد ليسابق الكلاب السلوقية، وأن يجعل الكلب السلوقي كلب الترير، وأن يجعل كلب الترير كلب البودل.

هلفيتيوس: لا تحاول فعل ذلك!

ديدرو: ولم لا؟ لقد ولدوا للتو، لا يمكن تصنيفهم ومناسبون لفعل كل شيء وعبر التعليم بإمكاني أن أجعل منهم كل ما أردت.

هلفيتيوس: أنت تستهزئ بي!

سيد هلفيتيوس، أنت محق نوعا ما. ولكن ماذا لو كان البشر ذوي أنواع مختلفة، كما هي الحالة بين الكلاب، لو كان لكل واحد منا مشيته المميزة وسبيله الخاص به، لو كان لكل واحد منا لعبته الخاصة؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s