الملكيّة – دانتي أليغري

دانتي أليغري
دانتي أليغري

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

الملكية – دانتي أليغري

هذه الجزئية مقتطعة من الكتاب الأول من “الملكيّة” لدانتي أليغري، والمنشور في مطلع القرن الرابع عشر. في هذه الترجمة، سيُستخدم مصطلح “الملكية الدنيوية” كمرادف لـTemporal Monarchy، وهي التي يُقصد بها السلطة الزمانية (في مقابل السلطة الروحية للكنيسة) المبنية على النظام الملكيّ أو الفردي، والملكيّة هنا تختلف عن مفهوم النظام الملكيّ الحديث. 

الفصل الأول: مقدمة

 على كلّ الأفراد الذين طبع الله في قلوبهم حبّ الحقيقة أن يجهدوا من أجل إثراء الأجيال القادمة كما أثرتهم الأجيال الماضية. ليتيقّن ذلك الفرد الذي يتشبع من التعليم العام ولا يساهم بشيء للمصلحة العامة أنه غارق في الدين. فهو ليس كـ “شجرة مغروسة عند مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانه” [١]، بل هو دوامة مدمرة آخذة في البلع دون أن تعطي شيئًا مما ابتلعته. حين أختلي بنفسي متأملًا في هذه الأمور، أرغبُ ألا أكون برعمًا وحسب، بل أن أكون ثمرةً للمصلحة العامة، ومؤسسًا لحقائق لم يسبقني بها أحدٌ من العالمين، وذلك خشية أن أكون مذنبًا بإخفاء وزنتي في الأرض [٢]. فما الذي سيجنيه ذاك الذي يشرح نظريةً لإقليدس مجددًا؟ أو الذي يحاول أن يضع فلسفة جديدة لطبيعة السعادة بعدما قام بذلك أرسطوطاليس؟ أو الذي يسعى للدفاع عن الشيخوخة بعدما دافع عنها سيسيرو؟ لن يجني شيئًا بالطبع، ولن ينجب مجهوده المفرط سوى القرف.

من ضمن الحقائق المبهمة والمهمة، تبرز معرفة الملكيّة الدنيوية كأحد أكثر الحقائق أهمية وإبهامًا. ونظرًا لأنها مهمّشة من قِبَل الجميع (وذلك لعدم وجود فائدة مباشرة من معرفتها)، فقد ارتأيتُ أن أخرجها من مخبئها، وذلك حرصًا مني على مصلحة العالم، ولكي أكون الواحد الذي يحظى بالجعالة [٣] لمجدي الخاص.

لا ريب وأنني أباشر مهمة صعبة تفوق قدراتي، ولكنني لا أثق بنفسي كما أثق بما منحه إليّ المُعطي “الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير” [٤]

الفصل الثاني: ما الغاية التي توجد الحكومة من أجلها؟

في البداية، لا بد من تأكيد معنى الملكيّة الدنيوية في جوهرها، بالإضافة لتأكيد غايتها. نعرّف الملكيّة الدنيوية، وهي التي تسمّى بالإمبراطورية كذلك، على أنها أمارة فرديّة تشمل جميع البشر في الزمن، أو أنها تشمل الأشياء وتهيمن على كل ما يمكن قياسه بالزمن. وبالنسبة للملكيّة الدنيوية، فهناك ثلاثة أسئلة رئيسية. أولًا، علينا أن نتساءل ونسعى لإثبات ضرورة الملكيّة الدنيوية من أجل صلاح العالم. ثانيًا، أن نتساءل حول شرعية استيلاء أهل روما على منصب الملكيّة. ثالثًا، أن نتساءل فيما إذا كانت سلطة الملك مستمدة من الله مباشرة، أو من مصدرٍ آخر كقسّ أو نائب لله.

ولكن، كغيرها من الحقائق التي لا تُعتبر مبدأ أوليًا، يمكن أن تتجلى هذه الحقيقة عبر إثبات صحّة مبدأ أوليّ. في أي بحث، من الضروري أن ندرك المبدأ الأوليّ الذي نرجع إليه أثناء التحليل لبرهنة كل ما يليه من الفرضيّات. وبما أنّ هذه الرسالة بحث، فلا بد قبل كل شيء أن نبحث عن مبدأ أساسي تعتمد عليه صلاحية كل ما يليه. ولذا، لا بدّ أولًا من توضيح أن بعض الموجودات غير خاضعة لقبضتنا، ولا نملك إزاءها سوى التفكّر فيها دون أن نكون علّة لوجودها أو عملها. الرياضيات والفيزياء والإلهيات أمثلةٌ على بعض هذه الموجودات. وفي المقابل، هناك بعض الموجودات الخاضعة لقبضتنا، وهي ليست مجالًا للتأمل وحسب، بل للتنفيذ كذلك. في هذه الأمور، لا تُنفّذ الأفعال لغرض التأمل، بل يتمّ التأمل فيها من أجل تنفيذ الأفعال. [بعبارةٍ أخرى] غاية هذه الأمور هي تنفيذ فعل. وبما أن الأمر الذي نبحثه ذو طبعٍ سياسي، بل هو المصدر والمبدأ الأولي لشرعية الأنظمة الحاكمة، وبما أن كل ما هو سياسي خاضع لقبضتنا، فمن الجليّ أن مبحثنا ملائمٌ بشكل رئيسي لتنفيذ الأفعال، وليس التأمل. أقول مجددًا، بما أنّ مبدأ كل فعلٍ وعلّته هو غاية منتهاه، وبما أن غاية المنتهى هي ما يحرّك الأمور، نستنتج أن كلّ ما يتعلق بالوسيلة نحو غايةٍ ما لا بدّ وأن يكون مُستمدًّا من الغاية نفسها. فقطع الخشب من أجل بناء منزل يختلف عن قطع الخشب لبناء سفينة. إذا كان هناك غاية من وجود حكومة كونيّة للأفراد، فستكون هذه الغايةُ المبدأَ الأوليّ الذي يرتكز عليه إثبات ما سيلي بشكلٍ سليم. من غير المنطقيّ أن يتم الاعتقاد بعدم وجود غاية واحدة لجميع الحكومات مع الاعتقاد بوجود غاية من هذه الحكومة أو تلك.

الفصل الثالث: إدراك قدرة العقل في التأمل وتنفيذ الأفعال

لا بد الآن من تحديد غاية المجتمع البشري ككل؛ خصوصًا وأن تحديد ذلك سيحقق لنا أكثر من نصف الجهد المطلوب، وذلك كما يقول الفيلسوف في كتاب الأخلاق النيقوماخية. كي تفهم الغرض من السؤال، لاحظ أنّ الطبيعة أعطت إصبع الإبهام غاية، وأعطت الكفّ غاية أخرى، وأعطت الذراع غايةً تختلف عن كلا الإبهام والكف، وأعطت الإنسان غاية تختلف عن كل ما سبق. وبشكلٍ مشابه، تُعطي الطبيعة غاية للفرد، وأخرى للعائلة، وأخرى للقرية، وأخرى للمدينة، وأخرى للمملكة، وأخيرًا يوجدُ الله غاية نهائية للعرق البشري بأجمعه، وذلك عبر أداته الفنية (أي الطبيعة). هذه الغاية النهائية هي ما نسعى للعثور عليه، بحكم كونها مبدأ أوليًا يوجّه بحثنا.

في البداية، اعلموا أنّ الله والطبيعة لا يخلقان شيئًا عبثًا؛ كلّ الموجودات لها غرض محدد. فبحسب نيّة الخالق (بصفته الخالق)، ليست الغاية النهائية من المخلوق إيجادُه، بل هي غرضه الملائم. ونتيجة لذلك، يوجدُ الغرض الملائم لا لمجرّد الوجود، بل على العكس من ذلك. إذن، هناك غرض محدد من وراء البشريّة، غرضٌ يفوق قدرة الفرد أو العائلة أو القرية أو المدينة أو أيّ مملكة على تحقيقه. سيتضح هذا الغرض ما إن نُشرْ إلى قدرة البشرية المميزّة ككل. لذا، أقولُ أن أي مِلْكَةٍ يشترك فيها عددٌ كبير ومختلف من الأنواع [٥] لا تكون خاصيّة تميّز أيًا من تلك الأنواع. فبما أن الخاصيّة المميزة تحدد ماهيّة النوع، فمن الاستحالة أن تكون هذه الخاصية مشتركة من قِبَل أكثر من نوع. فالخاصية المميزة للإنسان ليست الوجود، فالعناصر تشتركُ مع الإنسان في هذه الخاصية. وليس ما يميّزه الوجود في مجموعة، فالمعادن تشترك معه في هذه الخاصية. وليس ما يميّزه الوجود حيًا، فالنباتات تشترك معه في ذلك. وليس ما يميّزه الوجود العاقل [٦]، فالحيوانات تشترك معه في ذلك. ما يختصّ به الإنسان وحده دون غيره هو الوجود العاقل بواسطة الفطنة الممكنة. فبالرغم من المخلوقاتٍ الأخرى تمتلك عقلًا، إلا أن عقلها مجرّدٌ من الإمكانيّة كما هو الحال عند الإنسان. هذه المخلوقات عاقلة بدرجةٍ محدودة، ووجودها ليس إلا إدراكًا متصلًا، ولولا ذلك لفنتْ هذه الكائنات. من الجليّ إذن أن الخاصية المميزة للبشر هي القدرة الخاصة أو قوّة الفطنة.

وبما أنّه لا يُمكن اختزال هذه القدرة كليًا في أفعال فردٍ واحد أو في أفعال أيّ من المجتمعات التي تم ذكرها أعلاه، فلا شكّ أن تعددية الجنس البشري ضرورية من أجل إدراك هذه القدرة بشكلٍ كامل. وبشكلٍ مشابه، فتعددية المخلوقات ضرورية من أجل ممارسة قدرة المادة الأوليّة [٧]. ولو لم يكن الحال كذلك، فلاضطررنا آنذاك للإقرار بوجود إمكانيّةٍ لا يمكن تحقيقها، وذلك مستحيل. يوافق ابن رشد هذا المعتقد في شرحه لكتاب “عن الروح”. بالإضافة لذلك، القدرة العقلية التي أتحدث عنها تستندُ في وجودها لا لقوالب النوع الكونيّة وحسب، بل تمتدّ لتطال المعيّنات [أي التفاصيل]. ونتيجة لذلك، ظهر القول الشائع أنّ العقل المتأمل يصبح (حين يمتدّ) عقلًا فاعلًا، بحيث تكون غايته أن يفعل وأن يصنع. حين أتحدّث عن الأمور التي يجب فعلها، أعني تلك التي بقبضة السياسة الحصيفة، وحين أتحدث عن الأمور التي يجب صنعها، أعني تلك التي بقبضة الفنّ؛ فكل هذه الأمور مما أنجبه التأمل، وهو الغاية المطلقة التي أوجد الله الجنس البشري من أجلها. يتضح الآن المقولة المذكورة في كتاب “السياسة” بأن: “قويّ العقل بطبعه يحكم الأفراد الآخرين.”

الفصل الرابع: تحقيق هذه الغاية يتطلب من البشرية سلامًا كونيًا

١. شرحنا بشكلٍ وافٍ أنّ الغرض الملائم للجنس البشري، حين يؤخذ بمجموعه، هو أن يحقق باستمرارٍ القدرة الكاملة للإمكانيّة العقليّة عبر التأمل، بشكلٍ رئيسي، والفعل بشكلٍ ثانوي (وذلك عبر امتداد التأمل) […]

—————

[١] سفر المزامير (١:٣)

[٢] إنجيل متى (٢٥:٢٥)

[٣] رسالة بولس إلى أهل كورنثوس (٩:٢٤)

[٤] رسالة يعقوب (١:٥)

[٥] يشير مصطلح “النوع” هنا إلى التقسيم في علم الأحياء.

[٦] قد تكون مفردة “عاقل” ليست دقيقة، خصوصًا وأنها بالعربيّة تعني شيئًا مختلفًا قليلًا. لكنّ الترجمة الإنجليزية تقول (intelligent)، وهي ما قد يعني النباهة أو الذهن كذلك، ولذا لزم التنويه.

[٧] المادة الأولية = primal matter، وقد تشير إلى المادة الأساسية الرئيسية التي أنتجت كلّ المادة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s