التاريخ، البشر، الزمن (٢) – مارك بلوك

مارك بلوك
مارك بلوك

يمكن تحميل هذه المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

مهنة المؤرخ (الفصل الأول-الجزء الثاني) – مارك بلوك

هذه الجزئية استكمال للمقالة السابقة التي تحمل الاسم نفسه، وكلتاهما مقتطعتان من الفصل الأول من كتاب: “مهنة المؤرخ.”

٣. الزمن التاريخي

سمينا التاريخ “علم البشر”، لكن هذه التسمية لا تزال مبهمة، ومن الضروري أن نضيف إليها: “علم البشر عبر الزمن.” فالمؤرخ لا يُعمل فكره على الإنسان بالمفهوم المجرد للإنسانيّة، بل تسبح أفكاره في محيط الزمن.

ولكي أكون دقيقًا، من الصعب تخيّل أن أيًا من العلوم يُعامل الزمن كمفهومٍ مجرّد. لكن الزمن ليس سوى وحدة قياس بالنسبة لعدد كبير من أولئك الذين يقسّمون الزمن إلى حقب اعتباطيّة متجانسة (لأغراضهم الخاصة). وفي المقابل، فالزمن التاريخي واقعٌ صلب وحيّ، ويندفع للأمام بشكلٍ غير قابل للعودة. هو النسيج الذي يحتوي كلّ الأحداث، وهو المجال الذي تصبح فيه كل هذه الأحداث معقولة. فمثلًا، عدد الثواني أو السنين أو القرون المطلوبة لأجل أن تتحوّل مادة مشعة لأخرى مرجعٌ أساسيٌّ بالنسبة لعالم الذرّة. لكن فكرة أن أحد هذه التحوّلات قد حدث قبل ألف عام أو بالأمس أو اليوم ليست مهمةً بالنسبة لعالم الفيزياء، بل هي مهمّة بالنسبة للعالم الجيولوجي، لأنّ الجيولوجيا بطبيعتها تخصص تاريخي. والشاهد من الأمثلة أن المؤرخ لا يكتفي بقول أن القيصر قد استغرق ثمانية أعوام لاحتيال الغاليين، أو أنّ تحوّلَ لوثر من مبتدئٍ أرثوذكسي من مدينة إرفورت إلى مصلحٍ في مدينة فيتنبرغ قد استغرق خمسة عشر عامًا. فالأهم بالنسبة للمؤرخ هو تعيين [حدث] احتلال الغاليين مكانه التاريخي وسط تعاقبات المجتمعات الأوروبية، أو إعطاء تحوّل لوثر الروحاني مكانَه في خارطة حياة البطل نفسه والحضارة التي شكّلت مناخ ذلك التحوّل، أي رسم صورة حقيقيّة لأزمة مارتن الروحانيّة دون إنكار بُعدِها الخالد.

وفي جوهره، فإنّ هذا الزمن الواقعيّ عبارةٌ عن استمرارية، وهو في الوقت ذاته تغيّرٌ سرمديّ. كل المشاكل الكبرى المتعلقة بالأسئلة التاريخية مستقاةٌ من تناقض هاتين الخاصيتين [أي الاستمراريّة والتغير السرمدي]. هناك مشكلةٍ معيّنة تشكّل علّة وجود بحثنا بحد ذاتها. دعونا نفترض أننا اقتطعنا حقبتين متعاقبتين من سلسلة العصور المتصلة. لأي حدّ يهيمن اتصالهما الذي يؤسسه المجرى الزمني (أو يفشل في الهيمنة) على الاختلافات الناتجة من ذات المجرى؟ [بعبارة أخرى] هل تُعتبر معرفة الحقبة السابقة ضرورية أو ترفيّة لفهم الحقبة اللاحقة؟

٤. صنم الأصول

من الصواب أن نبدأ بالإقرار بعيوبنا. شرحُ الأحداث المؤخرة من وجهة نظر الماضي البعيد، وهو أمرٌ محبب للأفراد الذين جعلوا من الماضي موضوع بحثهم، سيطر على دراساتنا لدرجة التنويم المغناطيسي. وفي جانبه المميز، يمكن تسمية هذا الصنم [المقدّس] عند قبيلة المؤرخين هوسًا بالأصول. وكذلك، في تطوّر الفكر التاريخي، حظي هذا الصنم بتفضيل معيّن [عند المؤرخين]. أظنّه رينان الذي قال يومًا (أنا أضع الاقتباس بالاعتماد على ذاكرتي، ولذلك أخشى أنني أجانب الدقة): “في كل الشؤون البشرية، فالأصول هي ما يستحق الدراسة أكثر من غيرها.” وقد قال ساينت-بيوف شيئًا مشابهًا قبل رينان: “أعاين وأدوّن كل البدايات بفضولٍ شديد.” تُعتبر هذه الفكرة طبيعيّة لعصرهم. كلمة “أصول” طبيعيّة هي الأخرى. فبعد أن نُشر كتاب (أصول المسيحية)، جاء كتاب (أصول فرنسا المعاصرة)، ناهيك عن ذكر البقيّة التي جاءت بعدهما. ولكنّ كلمة “أصول” تسبب القلق؛ فهي غامضة.

هل تعني الكلمة مجرّد “البدايات”؟ لو كان الأمر كذلك، لما اعتراها أي غموض، سوى أن الوقائع التاريخية تعتبر الحديث عن نقاط البداية أمرًا مربكًا. لا شكّ وأنّ الأمر مرهونٌ بالتعريف، ولكنه للأسف تعريفٌ يسهل نسيانه.

وعلى الجانب الآخر، هل تؤخذ كلمة “أصول” على أنها تعني المسببات؟ في هذه الحالة، لن تكون هناك أي مصاعب سوى تلك الكامنة أصلًا في الأسئلة التعليلية (وكامنة بشكلٍ أكثر تجليًا، بلا شك، في علوم البشر).

لكن الغالب أن هناك تلوثًا مشتركًا من قِبَل المعنيين. وما يجعل الأمر أكثر سوءًا أنّ من الصعوبة استكشاف هذا التلوث. ففي الاستخدام الشائع، يُعتبر الأصلُ بدايةً تشرح ما بعدها. وبشكل أكثر سوءًا: الأصل هو البداية التي تُعتبر شرحًا وافيًا. هاهنا يقع الغموض، وهنا الخطر!

يمكن لدراساتٍ أكثر إثارة للاهتمام بأن تُجرى على هذا الهوس الجنينيّ الموجود بكثرة في القراءات [التاريخيّة]. “لا أفهم سبب انزعاجك” قال باريز مخاطبًا أحد القساوسة الذين فقدوا إيمانهم. “ما دخل جدالات عدد بسيطٍ من العلماء حول بضع كلماتٍ عبريّة فيما أشعر به؟ المناخ الكنسي كافٍ بحد ذاته.” ويقول ماوراس بدوره: “كيف تعنيني أناجيل أربعة يهود مغمورين؟ (بظنّي، ترمز “مغمورين” لكونهم عوامًا. فكلٌّ من متّى ومرقس ولوقا ويوحنا يمتلك سمعة أدبية رديئة لا يمكن تجاهلها بسهولة). هؤلاء المخادعين يقبضون على أرجلنا. فلا باسكال ولا بوسيه استطاعوا التحدث بهذه الجرأة. ولا شكّ أن من الممكن فهم التجربة الدينية مجردةً من التاريخ. فبالنسبة للربوبي البحت، يكفيه أن يمتلك نورًا داخليًا ليؤمن بالرب. ولكن ذلك النور ليس كافيًا ليؤمن بنفس رب المسيحيين [مثلًا]. فالمسيحية في جوهرها ديانةٌ تاريخية كما أشرت سابقًا. أي أنها ديانة تستندُ عقائدها الأساسية على أحداث تاريخيّة. اقرأ عقيدتك: “أؤمن بعيسى المسيح … الذي صُلب في عهد بونتيوس بيلاتي … والذي بُعث من الموتى في اليوم الثالث.” ففي هذه العقيدة، تكمن أساسيات العقيدة في بداياتها التاريخية.

وعلى الرغم من أنّ الانهماك في الأصول مبررٌ في بعض أنواع التحليل الديني، إلا أن عدواه تفشّت إلى مجالات أخرى حيث تُصبح صلاحيّته أمرًا قابلًا للجدل. وبالإضافة لذلك، فقد تم وضع التاريخ المهتمّ بالأصول تحت خدمة المحاكمة القيميّة. فما الذي كان يقصده تيين حين تتبع “أصول” فرنسا في عصره سوى شجب العلل السياسية التي كانت نتاج الفلسفة الإنسانية الخاطئة بحد تعبيره؟ وسواء كان الموضوع حول الغزو الجرمانيّ أو الغزو النورماني لإنجلترا، فقد تم توظيفُ الماضي بمثابرة كتفسيرٍ للحاضر، وذلك كي يكتسبَ الحاضرُ قابليةً أكبر للتفسير أو الاستنكار. لذا، وفي حالات عديدة، ليس شيطان الأصول سوى تجسّدٍ لعدو شيطاني آخر للتاريخ الحقيقي: جنون إصدار الأحكام.

فلنعد للدراسات المسيحية. قيام ضميرٍ مضطرب وتائه بتحديد سلوكه تجاه الديانة الكاثوليكية عبر الممارسات اليومية للكنيسة شيءٌ، لكن قيام مؤرخ بشرح الكاثوليكية المعاصرة كحقيقة جليّة شيءٌ آخر. معرفة بدايات الممارسات حتميّة من أجل فهمها، ولكنّها غير كافية لتبيان الظواهر الدينية الحقيقية. لتبسيط مشكلتنا، لا بد أن نؤجل السؤال حول مماثلة أسماء العقائد لعناصرها. فحتى لو افترضنا أن تقاليدنا الدينية لا تتغير إطلاقًا، فلا بد أن نبحث عن الأسباب التي أدت لحفظها طوال هذه الفترة. فالتعليلاتُ الإنسانيّة لافتراض التدخّل الإلهي [في الحفاظ على الطقوس] ليست علمية. وباختصار: لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان المسيح قد صلب أولًا ثم حُشر، بل يدور حول الكيفيّة التي جعلت العديد من البشر يعتقدون بالصلب والبعث حتى يومنا. حيثما كان يوجدُ إيمانٌ بمعتقد، فكل الأدلة تتفق على أنه مجرد جانبٍ واحد لحياة المجتمع العامة. فهذا الإيمان كعقدةٍ من بين العديد من الخصائص الجامحة لبنية وعقل المجتمع. وباختصار، فإن العقيدة الدينية تشتمل على كافة مشاكل المحيط الإنسانيّ. تنمو أشجار البلوط من حبات بلوط صغيرة. لكنها لن تنمو إلا حين تلقى بيئة خصبة وطقسًا ملائمًا، وهي ظروف خارج المجال الجينيّ.

لم أطرح التاريخي الديني هنا إلا كمثال. لكن في أي دراسة، تقصي أصول أحد الأنشطة الإنسانية قد يوقعنا في فخ الخلط بين الأصل والتفسير.

هذا الأمر مشابه للوهم الذي يقع فيه علماء الإيتيمولوجيا حين يظنون أنهم بلغوا منتهى العلم كلّما عثروا على معنى قديمٍ يُناقض المعنى المعاصر. أيْ حين أظهروا أن كلمة bureau مثلًا كانت تعني لبسًا صوفيًا جلفًا في أوّلها. أو أن كلمة timbre تعني طبل. وكأنما المشكلة الأساسية لا تكمن في معرفة الكيفية والأسباب التي أدّت لتغير المعنى. وكأنما معنى الكلمة يتأثر أكثر بماضيها من حالتها المعاصرة التي تحددها الظروف الاجتماعية وقتها. Bureau في عبارة bureaux de ministere تعني البيروقراطية. حين أطلب timbres لنافذة مكتبي البريديّ، فأنا أستطيع استخدام الكلمة بسبب التغيرات الفنية مؤخرًا، كتنظيم الخدمة البريدية نفسها، أو استبدال الصورة الصمغية الصغيرة بطابع بريدي، وهو ما تسبب بثورة في الاتصالات البشرية. وبسبب اختلاف قبول المعنى القديم، المهنيّ تحديدًا، أستطيع اليوم استخدام كلمة timbre دون أن أقع في خطر خلط معناها بين ما ألصقه على المظروف البريدي وبين ما يبيعه البائع الموسيقي ويمجده في أدواته.

نتحدث عن “أصول النظام الإقطاعي.” أين نبحث عنها؟ يقول البعض: “في روما”، بينما يقول البعض لآخر: “في جرمانيا.” سبب حيرتهم واضح؛ فسواء كانت الأصول رومانيّة أو جرمانية، فبعض الممارسات (مثل العلاقات الزبونية، والرفقة في الحرب، واستخدام الأرض كإقطاع تجاري لدفع ثمن خدمة ما) كلها مارستها أجيال أوروبية في العهد الذي يسمى إقطاعيًا. لكن هذه الممارسات تغيرت بشكل كبير. كانت هناك كلمتان: —benefice عند اللاتينيين، وfief عند الجرمانيين— وقد استمرت الأجيال اللاحقة باستخدامهما، بينما كانت معانيها تكتسب أهمية جديدة تدريجيًا دون أن تحس بها تلك الأجيال. ولسوء حظ المؤرخين، فالبشر لا يغيرون مصطلحاتهم كلما تغيرت عاداتهم. كل هذه الأمور مثيرة للاهتمام، ولكنها لا تقدم لنا “أسباب” نشوء الإقطاعية. فالخواص المؤسساتيّة للإقطاعية الأوروبية لم تكن مجرّد كشكول من البقايا الناجية. ففي زمنٍ ما من تاريخنا، نتجت الإقطاعيّة من وضع اجتماعي متكامل.

قال سينوبوس في أحد كتاباته: “أعتقد أن الفكر الثوري في القرن الثامن عشر… عبارة عن استمرارية للفكر الإنجليزي في القرن السابع عشر.” هل يعني بذلك أن الكتاب الفرنسيين في عصر التنوير تأثروا بالأعمال الإنجليزية في القرن السابق ومن ثم تبنوا مبادئها السياسية؟ يمكن أن نتقبل هذه الفرضية لو أن فلسفتنا لم تساهم بشيء جديد في العناصر الفكرية أو المناظير المناخية للصيغ التي جاءت من الخارج. ولكن حتى لو اختُزل هذا التاريخ لمجرد استعارات اعتباطية، فلا يعني ذلك أن الحركة الفكرية في فرنسا ستكون أكثر وضوحًا. فالمشكلة لا تزال قائمة حول استكشاف أسباب تناقل الأفكار في الوقت الذي حدث فيه؛ فَلِمَ لم يحدث ذلك قبل ذلك الوقت أو بعده؟ تستلزم العدوى وجود أمرين حين يضرب المرض: لا بد من وجود تكاثر ميكروبي وأرضٍ خصبة للتكاثر.

وباختصار، الظواهر التاريخية لا يمكن فهمها مجردة من لحظتها الزمانيّة. وهذا الأمر ينطبق على كلّ مرحلة تطوّرية، سواءً كانت مرحلتنا أو غيرها. وكما يقول المثل العربي القديم: “يمثّل الرجال أزمانهم أكثر مما يمثلون آباءهم.” إهمال هذه الحكمة المشرقيّة جعل دراسة الماضي أمرًا موصومًا بالخزي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s