التاريخ، البشر، الزمن (١) – مارك بلوك

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

التاريخ، البشر، الزمن (١)

Marc_Bloch
مارك بلوك

هذا الجزء الأوّل من أول فصول كتاب “مهنة المؤرخ” للفرنسي مارك بلوك. عنوان الفصل الأوّل: التاريخ، البشر، الزمن.

١. اختيار المؤرخ

كلمة “تاريخ” قديمةٌ جدًا، قديمةٌ لدرجة أن الناس أحيانًا يسأمون منها. ولكنّهم مع ذلك لم يصلوا للحدّ الذي يجعلهم يزيلونها من قائمة مفرداتهم. بل يستخدمها حتى علماء الاجتماع الذين ينتمون للمدرسة الدوركهاميّة، ولكنّهم يستخدمونها من أجل إبعادها لزاوية مظلمة من علوم الإنسان؛ زاويةٌ كأنها مغارة سرية تُحبس فيها كل الحقائق البشرية التي حكم عليها هؤلاء العلماء بالسطحيّة والتلون، برغم أنّ هذه المغارة نفسها كانت للعلماء مخزنًا لما هو قابل للتحليل العقلاني.

وعلى النقيض من ذلك، فنحن هنا نحافظ على أعمّ تفسير لكلمة “تاريخ”. هذه الكلمة لا تفرض أيّ محظورات مسبقة في طريق البحث الذي قد يتوجّه للفرد أو المجتمع، أو يتوجّه للتشنجات اللحظيّة أو التطورات الدائمة. لا تشكّل الكلمة بحد ذاتها أي عقيدة؛ فبحسب معناها الأصلي، لا تُلزمنا كلمة “تاريخ” إلا بالتساؤل وحسب. بطبيعة الحال، فقد تغيّر مضمون الكلمة بشكلٍ كبير مذ ظهرت على ألسنة البشر قبل أكثر من ألفي عام. لكن هذا أمرٌ يطال جميع المفردات الحيّة في اللغة. فلو تطلّب إيجاد مفردة جديدة كلما أحرزت العلوم تقدمًا، فما أكثر الكلمات حينئذ! وما أكثر الوقت الذي سيضيع في الحقول الأكاديمية!

لا داعي أن يكون “تاريخنا” وفيًا للمعنى الذي كان عليه أيام هيكاتيوس (مثلما أنّ فيزياء اللورد كلفن أو لانغفن لا تعني الشيء نفسه كما عنته أيام أرسطو). إذن، ما هو تاريخنا هذا؟

في البداية، لا جدوى من طرح تعريف مرهقٍ وجامد للتاريخ، بل لا بد من توجيه انتباهنا نحو مشاكل البحث الحقيقية، فالعمّال الجادون لا يثقلون كاهلهم بعقائد إيمانية كهذه. فنظرًا لدقتها الفائقة، تُبطل هذه التعريفات الصارمة كل الإبداعات الفكريّة، بينما تكون معرفتنا الناقصة دافعًا لأنّها لا تزال غير ثابتة، بل قابلة للتوسّع. ولعلّ أكبر الأخطار التي تنجم عن تعريفات صارمة كهذه هي أنّها لا تجلب سوى المزيد من القيود. يقول مؤلف المعجم: “هذا الموضوع أو تلك الوسيلة لمعالجته بلا شكّ جذّابان، ولكن تنبّه أيها الشاب، فهو ليس تاريخًا!” نحن لسنا لجنة لفرض القوانين في نقابةٍ عريقة بحيث نضعُ قائمةً بما يُسمحُ للأعضاء بممارسته ثم نحتفظ بحقّ الممارسة للمعلمين المرخص بهم [١]. علماء الفيزياء والكيمياء أكثر حكمة؛ فبحسب علمي، لم أجدهم يتجادلون يومًا عن حقوق الفيزياء أو الكيمياء أو الكيمياء الفيزيائية أو الفيزياء الكيميائية (بفرض وجود مجال بهذا الاسم).

ومن هذا المنطلق، فالمؤرخ ينقاد بالضرورة لنحت حدود المجال الذي تنطبق عليه أدواته ما إن يواجه الفوضى الهائلة للواقع، وذلك يعني أن يقوم بعملية اختيار. ومن الواضح أنّ اختياره ليس هو ذات الاختيار الذي يقوم به عالم الأحياء مثلًا، بل هو اختيار يلائم المؤرخ. هنا إذن نجد مشكلة حقيقيّة للعمل، وستلازمنا طوال بحثنا.

٢. التاريخ والبشر

يُقال أحيانًا أن “التاريخ علم الماضي.” بالنسبة لي، هذه العبارة ليست صائبة.

بادئًا ذي بدء، مجرّد فكرة كون الماضي موضوعًا للعلم فكرةٌ سخيفة. فكيف يمكن إخضاع ظاهرةٍ ما للمعرفة العقلانيّة ونحن لا نمتلك أي صفةٍ مشتركة معها سوى كونها غير معاصرة لنا؟ لا يُمكن جعل الماضي موضوعًا للعلم إلا عبر تصفيةٍ مبدئية. وعلى الجانب الآخر، هل يمكن تخيّل علمٍ شامل للكون في شكله الحاضر؟

في بدء عمليّة التأريخ أو التدوين، لم يكن المدوّنون (الحوليوّن) قلقين من هذه التوافه، فقد قاموا بسرد خليط من الأحداث التي لا يربط بينها سوى كونها حدثت في الوقت نفسه؛ كسوف، عواصف ثلجية، أو ظهور مفاجئ لنيازك مذهلة في أوقات المعارك أو موت الملوك والأبطال. ولكنّ هذه الذكريات البشرية المبكرة لم تكن مغربلةً إلا بالقدر الذي يغربل به الطفل الصغير ما يراه. بعبارةٍ أخرى، لم يكن هناك في البداية جهودٌ تحليلية، ولكنّ حضور هذه الجهود بدأ تدريجيًا يرسم التصنيفات الضرورية. من الصائب القول أن لغتنا، وهي متحفظة أساسًا، لا تزال تطلق اسم التاريخ على أي دراسة تُعنى بالتغيير عبر الزمن. هذه العادة غير ضارة، فهي لا تخدع أحدًا. فمن هذا المنطلق، هناك تاريخ للمنظومة الشمسية، لأنّ النجوم التي تكوّنها لم تكن دائمًا كما نراها اليوم. هذا التاريخ ينتمي لحقل علم الفلك. هناك أيضًا تاريخ للانفجارات البركانيّة، وأنا متيقن أنّه تاريخٌ مهم جدًا لدراسة تكوين الأرض، وهو لا ينتمي لتاريخ المؤرخين.

وبعبارة أدق، تاريخ الانفجارات البركانيّة لا ينتمي لتاريخ المؤرخين إلا بالقدر الذي يتصادف فيه مع اهتمامات تاريخنا. كيف يُمكن إذا تقسيم المهام في تطبيق هذه العلوم؟ من أجل فهم الإجابة، فإن مثالًا واحدًا يُغني عن ألف كلمة.

في القرن العاشر بعد الميلاد، تسبب خليج زوين [٢] في تمزيق الساحل الفلمنكي. انسدّ الخليج لاحقًا بفعل الرمال. لأي حقل تنتمي دراسة هذه الظاهرة؟ للوهلة الأولى، أي شخصٍ سيقترحُ أنّها تنتمي لعلم الأرض (الجيولوجيا). الترسّبات الرملية، وعمل التيّارات المحيطية أو التغيّرات في مستوى سطح البحر، أوَلم يوضع علم الأرض لدراسة مثل هذه الأمور؟ بالطبع. ولكن عند معاينة الأمر عن كثب، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. أولسنا سنطرح أولًا السؤال المتعلّق بأصل هذا التحوّل؟ سيُجبر عالم الأرض مباشرة على طرح أسئلة خارج نطاق مجاله. فمما لا شكّ فيه أن سدًا مبنيًا ساهم في انجراف التربة بالخليج، مما غيّر اتجاه القناة والتصريف، وهذا السدّ بناه الإنسان، إذ قام بإنشائه من أجل حاجة مشتركة، ولم يكن الأمر ممكنًا إلا عبر بنية اجتماعية معينة. وعلى الطرف الآخر، هناك مشكلة أخرى: العواقب. فعلى مسافة بسيطة من الخليج، يوجد مدينةٌ يربط بينها وبين الخليج ممر نهري قصير. هذه المدينة هي بروج. تقوم هذه المدينة باستيراد وتصدير غالبيّة بضاعتها عبر مياه خليج زوين، مما جعلها آنذاك مشابهة للندن أو نيويورك في عصرنا الحالي. ومن ثمّ جاء الزحف الرمليّ الذي بدا أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم. وكلّما انحسر الماء، كلّما قامت أهل بروج بتمديد موانئهم وأحواض سفنهم باتجاه فم النهر. وشيئًا فشيئًا، تلاشى رصيف الميناء. ولإحقاق الحق، فلم يكن هذا السبب الوحيد في انحدار المدينة. (هل يمكن للعوامل الماديّة أن تؤثر على العوامل الاجتماعيّة إلا حين يكون عملها مهيأ ومدفوعًا ومحددًا بعوامل أخرى وضعها الإنسان؟) ولكن هذا العامل لم يكن بالتأكيد سوى علة واحدة في سلسلة من العلل.

والآن، يمكن القول أنّ تصرف المجتمع بإعادة تشكيل التربة التي يعيش عليها بحسب احتياجاته، وهذا أمر غريزي، حدثٌ تاريخي واضح. وينطبق الشيء ذاته على تقلّبات منصب تجاري مهم. ولذا، نتيجة لهذا المثال الذي يحمل سمات العلم، نلاحظ أولًا منطقة من التداخل، حيث يصبح اتحاد مجالين ضروريًا لأي محاولة فهم. ونلاحظ كذلك أنّ هناك نقطة تحول، بحيث توصف إحدى الظواهر دون تحديد عواقبها، ويُترك الأمر لمجالٍ آخر للقيام بذلك. ما هو الأمر الذي يحدد تدخّل التاريخ؟ إنه ظهور العنصر البشري.

قبل فترة طويلة، علّمنا أسلافنا، كميشيليت أو فوستيل دي كولاج، أن نميّز أن موضوع التاريخ بطبيعته هو الإنسان. دعنا نقول البشر بالأحرى؛ فصيغة الجمع، وهي الصيغة النحويّة للنسبية، أفضل من صيغة المفرد في التعامل مع الأمور المجرّدة، وهي ملائمة كذلك لعلم التغيير. فوراء كل المعالم المنسّقة في الطبيعة، وكل الأدوات أو الآلات، ووراء كلّ ما يبدو أنه وثائق رسميّة مكتوبة، ووراء كل المؤسسات التي تبدو منفصلة عن مؤسسيها، هناك دائمًا بشر، والبشر هم ما يسعى التاريخ لفهمهم. وفي حالة الفشل في الوصول إلى فهم، فسيكون هناك في أسوأ الأحوال ممارسة للمعرفة. يشبه المؤرخ الجيّد العملاقَ في الحكاية الخرافية؛ فأينما شمّ رائحة لحم بشري، تقبع هناك طريدته.

ومن خاصّية التاريخ كعلم البشر، تظهر قضيّة غريبة متعلقة بالتعبير عن التاريخ. هل التاريخ “علم” أم “فن”؟ في عام ١٨٠٠ تقريبًا، خاض أجدادنا في نقاشات جادة حول هذه القضية. ولاحقًا، في ١٨٩٠ تقريبًا، ونتيجة للتشبع بهالة الفلسفة الوضعيّة البدائية، كان المنهجيّون ساخطين على إعطاء العامة اهتمامًا متزايدًا لما أسموه “قالب” الأعمال التاريخية. الفن مقابل العلم، والقالب مقابل المادة، تاريخ العلم يزخر بجدالات من هذا القبيل.

كل علمٍ يمتلك جماليّات لغة خاصة به، وكما يوجد الجمال في معادلات دقيقة، يوجد أيضًا في عبارات موفّقة أو ملائمة. أعمال البشر هي، بشكلٍ أساسي، ظواهر حساسة، والعديد من جوانبها تراوغ القياسات الرياضية. ومن أجل ترجمة هذه الظواهر إلى كلمات مناسبة، أي من أجل فهمها بشكل صحيح (فكيف يمكن للإنسان أن يفهم ما لا يمكنه أن يعبّر عنه؟)، لا بدّ من مراعاة دقّة اللغة والنبرات اللفظية المستخدمة. فحيثما كانت الحسابات مستحيلة، لا بدّ من توظيف الإيحاءات. هناك فرقٌ شاسعٌ وكبير بين التعبير عمّا هو مادي والتعبير عن الواقع البشري، مثلما يوجد فارق كبير بين مهمة الحفّار ومهمة صانع العود؛ فبرغم اهتمام كلا الشخصين بالدقة البالغة، إلا أنّ الحفار يهتم بدقة أدواته، بينما يهتم صانع العود بدقّة حساسيته للصوت واللمس. سيكون من الطيش أن يستخدم الحفّار منهج صانع العود، أو أن يحاكي صانع العود طريقة الحفّار. هل ينكر أحدٌ أنه لا يحس بالكلمات كما يحس بأنامله؟

٣. الزمن التاريخي

أطلقنا على التاريخ “علم البشر”، لكن هذه العبارة لا تزال غامضة جدًا. من الضروري أن نضيف: “علم البشر عبر الزمن.” لا يتأمّل المؤرخ في الإنسان بمفهومه المجرّد، بل تكون أفكاره غارقة في محيط الزمن.

ولإحقاق الحق، من الصعب أن نتخيّل أنّ أيًا من العلوم يُعامل الزمن كمفهوم مجرّد وحسب. ولكن، لا يشكّل الزمن سوى وحدة للقياس بالنسبة لعددٍ هائل من الناس الذين يقسّمونه لوحدات متجانسة لأغراضهم الخاصة. وفي المقابل، فالزمن التاريخي واقعٌ ملموس وحيّ باندفاعية لا رجعة فيها للأمام. الزمن التاريخي هو البلازما التي تسبح فيه كل الأحداث، وهو المجال التي تصبح فيه هذه الأحداث مفهومة. عدد الثواني أو السنين أو القرون المطلوبة من أجل أن تتحول مادة إشعاعية لأخرى هو النقطة المرجعيّة بالنسبة لعالم الذرة. لكن فكرة كون أحد هذه التحوّلات قد حدث قبل ألف عام أو بالأمس أو اليوم أو أنه سيحصل غدًا، فهي [أي الفكرة] مثيرة للاهتمام بالنسبة لعالم الأرض (فعلم الأرض مجالٌ تاريخي بحكم تكوينه) ولكنّها لن تكون مهمة بالنسبة لعالم الفيزياء. وفي المقابل، فلن يكتفي أي مؤرخ بالقول أن قيصر قام بتكريس ثمان سنين من حياته لاحتلال الغاليين، أو أنّ مارتن لوثر استغرق خمسة عشر عامًا قبل أن يتحوّل من مبتدئ أرثوذكسي من إرفورت إلى إصلاحيّ فيتنبرغ. بل ما يهم المؤرخ بشكل أكبر هو إعطاء احتلال الغاليين مكانًا زمنيًا وسط تقلّبات المجتمعات الأوروبية، ولا يعتبر المؤرخ نفسه قد أعطى صورة دقيقة عن أزمة مارتن لوثر الروحانيّة إلا حين يحدد اللحظة التي وقعت فيها بطولته في خارطته الزمانيّة، واللحظة الظرفيّة في خارطة حضارته (ولا يعني ذلك إنكار أبديّة مثل هذه الأزمات الروحانيّة).

إذن، فالزمن في جوهره استمراريّة، وهو أيضًا تغيّر دائم. تنتجُ غالبية المشاكل التي تواجهها الأسئلة التاريخية من تضادّ هاتين الخاصيتين. هناك مشكلة واحدة تحديدًا تُعتبر علة وجودية لبحثنا. دعنا نفترض اقتطاع فترتين متتاليتين من التعاقب غير المنقطع للعصور. سيكون هناك اتصال يفرضه فيض الزمن بينهما. لأي درجة سيسيطر هذا الاتصال على الفروقات التي تنبثق من ذاك الفيض نفسه، أو لأي درجة لن يسيطر؟ هل تُعتبر معرفة العصور السابقة ضروريّة أم لا لفهم العصور اللاحقة؟

—————

[١] هناك هامشٌ ناقص على هذه النقطة، كما أشار المترجم: “فكما أوضح لوشين فيبفري، حين يُستشار التاريخ نفسه حول السبيل الذي اتبعه تطوّر البشرية، فهو (أي التاريخ) مضطر لمناقضتهم بشكلٍ صارخ. المختصّون البارعون في أي علم هم الذين التجؤوا إليه من أحد العلوم المجاورة؛ فباستور الذي جدد علم الأحياء [البايولوجيا] لم يكن عالم أحياء، وقد أحس بذلك أثناء حياته. ودوركهايم فيلسوفٌ صار عالم اجتماع، وفيديل دي لا بلاش فيلسوفٌ صار عالم جغرافيا، وبرغم أنهما لم يكونا مؤرخين مرخصًا بهما، فقد تركا أثرًا عميقًا في الدراسات التاريخية مطلع القرن العشرين أكثر من أي متخصص.

[٢]: Zwin Gulf

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s