اعتراف – تولستوي

ليو تولستوي
ليو تولستوي

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

اعتراف – تولستوي

 

هذا النص مقتطع من كتاب “اعتراف” لليو تولستوي

لقد نشأت وتم تعميدي في الكنيسة الأرثودكسية، وتم تلقيني تعاليم هذه الكنيسة طوال فترات طفولتي وصباي وشبابي. ولكني عندما بلغت سن الثامنة عشر، تركت الجامعة في السنة الثانية، وتركت معها كل معتقداتي التي تعلمتها.
عندما أسترجع بعض الذكريات الآن، أستطيع القول بأنني لم أكن أؤمن حقًّا بتلك الأمور. كل ما هنالك هو أنني كنت واثقاً مما تم تلقيني إياه ومما كان يؤمن بِه الكبارُ من حولي. ولكنها كانت ثقة متزعزعة.
لا زلت أتذكر أنه عندما كنت في الحادية عشر من عمري، زارنا أحد طلاب المرحلة الثانوية، واسمه فلاديمير ميلوتين (توفي قبل فترة طويلة)، وأعلن أمامنا آخر ما توصلوا إليه في مدرسته. كانوا قد توصلوا إلى أن الله غير موجود، وأن كل ما قيل لنا عنه كان مجرد أكاذيب لا أكثر. لا أزال أتذكر كيف حازت هذه المعلومات على اهتمام إخوتي الكبار، حتى أنهم سمحوا لي بمشاركتهم في نقاشهم. لقد أبدينا جميعاً قبولاً لهذه الفكرة المثيرة والمحتملة.
لا زلت أتذكر كيف كنا أنا وإخوتي، وحتى الكبار منهم، نسخر من شقيقي الأكبر دميتري، الذي كان طالبا جامعيا حينها، عندما قادته طبيعته العاطفية إلى تكريس حياته للدين. لقد بدأ بالمشاركة في جميع الطقوس الدينية في الكنيسة، كما بدأ في الصيام واتباع حياة الطّهر والأخلاق. ولسبب ما لا نعلمه، أطلقنا عليه اسم “نوح”. كما لا زلت أتذكر أنه عندما دعانا موسين بوشكين، مدير جامعة قازان وقتها، إلى حفلة راقصة في بيته في أحد الأيام، رفض أخي دميتري قبول تلك الدعوة. كان موسين بوشكين يحاول ساخراً إقناع أخي بالحضور، بحجة أنه حتى داوود قد رقص أمام سفينة نوح. لقد تعاطفت مع هذه النكات التي كان إخوتي يطلقونها، وخلصت إلى نتيجة مفادها أنه حتى وإن كانت دراسة التعاليم الدينية والذهاب إلى الكنيسة أمرين ضروريَّين، لا ينبغي على الإنسان أن يأخذهما بجدية تامة. وأتذكر أيضاً أنني قرأت لفولتير عندما كنت صغيراً، وأن كتاباته قد أمتعتني حقاً، فضلا عن كونها قد استفزتني.
لقد نفرت من الدين تماماً كما اعتاد أن يفعل كثير من الناس -ولا يزالون يفعلون- ممن هم من نفس محيطي ومستواي التعليمي. وأستطيع أن أصف ما يحدث في معظم الحالات كالتالي: يعيش الناس تماماً كما يعيش غيرهم، ولكنهم جميعاً يعيشون وفق مبادئ ليست فقط بعيدة كل البعد عن الدين، بل إنها تتعارض معه في عمومها. إن العقائد الدينية لا تلعب دوراً في حياة الناس اليومية، ولا هم يلتزمون بها في تعاملاتهم، إنهم لا يحسبون لتعاليم دينهم أي حساب في حياتهم. إن المعتقدات الدينية تقبع في مكان ما منفصل عن حياة الناس ومستقل عنها. حتى وإن مارس البعض عقائدهم الدينية، فإن هذه الممارسات مجرد مظاهر سطحية لا صلة لها بالحياة.
إننا لا نستطيع اليوم، كما لم نكن نستطيع في الماضي، أن نفرق بين المؤمن وغير المؤمن إذا نظرنا إلى حياتهم وأفعالهم. وإن كان ثمة فرق بين المؤمن علناً بالأرثودكسية وبين منكِرها، فلن يكون هذا الفرق في صالح الأول. ذلك أنّ الإيمان بالأرثودكسية كان، ولا يزال، ينتشر في نطاق واسع بين أصحاب العقول الضيقة والقساة وعديمي الأخلاق، الذين يغالون في تقدير ذواتهم. أما الذكاء والأمانة والصدق ودماثة الخلق، فهي صفات غالباً ما تنتشر بين أولئك الذين يقولون أنهم غير مؤمنين.
إنهم يفرضون الدروس الدينية في المدارس، ويرسلون الطلبة إلى الكنائس، ولا بد للموظف الحكومي من أن يحصل على ما يُثبت تناولَه القربان المقدس(1). ولكن الواقع الآن، كما هو في السابق، أن الأشخاص أمثالنا، من الذين أنهوا تعليمهم ولم ينخرطوا في وظائف حكومية، يعيشون سنين طويلة دون أن يشعروا بأنهم يعيشون وسط أناس يدينون بالمسيحية، حتى وإن كانوا هم أنفسهم من أتباع الكنيسة الأرثودكسية.
إن العقائد الدينية التي يعتقد بها الفرد، انطلاقاً من ثقته بها وبفعل ضغوط خارجية، كانت ولا زالت تضمحل تحت تأثير المعرفة وخبرات الحياة المكتسبة والتي تتعارض مع تلك العقائد. كثيراً ما يحدث أن يعتقد شخص ما بأن عقائده التي تلقاها منذ الصغر لا تزال سليمة لم يمسّها سوء، بينما في الواقع لم يتبقَّ منها أي أثر في نفسه.
حدثني مرة أحد الأشخاص المعروفين بفطنتهم وأمانتهم، واسمه س. (2)، عن قصة تركه للدين. عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، وفي إحدى ليالي رحلات الصيد، جثى س. على ركبتيه استعداداً للصلاة كما اعتاد أن يفعل منذ طفولته. في هذه اللحظات كان أخوه الأكبر، الذي رافقه في تلك الرحلة، مستلقياً على كومة قش وينظر إليه. عندما أنهى س. صلاته، قال له أخوه: “هل لا زلت تفعل ذلك؟”، ولم يزد أحدهما أي كلمة بعد هذا السؤال.
انقطع س. بعد تلك الليلة عن الصلاة وعن حضور الكنيسة. الآن، وبعد ثلاثين سنة، لم يتلو س. أيّ صلاة، ولم يذهب إلى الكنيسة ولم يتناول أيّ قربان. ليس ذلك لأنه قد أخذ بنفس قناعات أخيه، ولا لأنه قرر شيئاً مختلفاً في أعماقه، ما حدث ببساطة هو أن كلمات أخيه كانت مثل وكزة بالإصبع على جدار كان آيلاً للسقوط من تلقاء نفسه. لقد كشفت له كلماتُ أخيه أن المكان الذي كان يحسبه عامراً بالإيمان كان في الحقيقة خاوياً، وعلى ذلك فإن تمتماته وإشارات الصليب التي كان يرسمها على صدره وإنحناءات رأسه أثناء الصلاة كانت جميعها أفعالاً لا فائدة منها، وعندما أدرك ذلك، لم يستطع أن يواصل القيام بها مجدداً.
أعتقد أن هذا ما قد حدث ولا يزال يحدث مع معظم الناس. أنا أتحدث عن الأشخاص الذين هم في مثل مستوانا التعليمي ممن هم صادقين مع أنفسهم، وليس عن أولئك الذين يستغلون الدين وسيلةً نحو أهداف ومصالح دنيوية، (هؤلاء الأشخاص هم الأكثر تطرفاً في الكفر. ذلك لأن الإيمان -من وجهة نظرهم- هو وسيلة لتحقيق مصالحهم الدنيوية، وهذا لا يمكن أن يكون إيماناً على الإطلاق). لقد أذاب نور المعرفة والحياة ذلك البنيان المزيف من قلوب أبناء طبقتنا المتعلمين، فأدرك فريق منهم هذا الأمر ومضى نحو الأمام تاركاً وراءه ذلك المكان فارغاً، بينما لم يلاحظ الفريق الآخر ذلك الأمر بعد.
تلاشت العقيدة التي غُرست فيّ منذ الصغر كما تلاشت من نفوس الآخرين، ولكن مع فارق مهم، وهو أنني قد بدأت في قراءة الكتب والتفكير في القضايا الكبيرة مذ كنت في الخامسة عشر من عمري، ولذلك كان رفضي للعقيدة الدينية أكثر وعياً منذ سن مبكرة. عندما بلغت السادسة عشر، انقطعت عن أداء الصلاة وعن الذهاب إلى الكنيسة وعن الصوم بإرادة مني. لم أعد أؤمن بما قد تعلمته في طفولتي، ولكنني آمنت بشيء ما لم أكن أعلمه. لقد آمنت بوجود إله ما -أو بالأحرى، لم أنكر وجود الإله-، لكني لم أكن أعلم أيَّ نوعٍ من الآلهة كان. لم أكفر بالمسيح ولا بتعاليمه، ولكني لم أكن أعلم ما هي تلك التعاليم.
اليوم، عندما أعيد النظر إلى ذلك الزمن، أرى أن إيماني الوحيد، الذي أعطى لحياتي نبضها بغض النظر عن الغرائز الحيوانية، إنما كان إيماني في السعي نحو الكمال. غير أنني لم أكن أعلم شيئاً عن ماهية هذا الكمال ولا عن الغاية منه. لقد حاولت بلوغ الكمال الفكري، فقرأت كل ما وقعت عليه عيناي، وكل ما ألقت به الحياة في طريقي. كما حاولت بلوغ الكمال في التحكم برغباتي، فوضعت لنفسي قوانين وحاولت اتباعها. وسعيت أيضاً نحو الكمال البدني، فكنت أقوم بالتمارين الرياضية لزيادة قوة بدني ورشاقته، وأخضعت نفسي للمشقات بهدف رفع قوة تحمّلي ومثابرتي. لقد اعتبرت ذلك كله سعياً نحو الكمال. بالطبع، كانت بداية ذلك هي الكمال الأخلاقي، ولكني تحوّلت بعد ذلك إلى الكمال بوجه عام، أي الرغبة في أن أكون أفضل مما أنا عليه، ليس أمام نفسي أو أمام الله، بل أمام الآخرين. أما هذه الرغبة في أن أكون أفضل أمام الآخرين، فسرعان ما تحولت إلى الرغبة في أن أكون أقوى منهم، وفي أن أكون أكثر شهرةً وأهمّ وأغنى منهم.

(الفصل الثاني عشر) (3)
لقد ساعدني إدراك الخلل في العلوم العقلية في أن أتحرر من دوامة التفكير العقيم، كما قادتني قناعتي بأنه لا يمكن إدراك الحقيقة سوى بخوض هذه الحياة إلى الشك في صحة ما كنت عليه. إنّ ما أنقذني من تلك الدوامة كان قدرتي على الخروج من عزلتي والنظر إلى حياة العمّال البسطاء، عندها علمت أن هذه الحياة هي الحياة الحقيقية. لقد أدركت أنني إن كنت أريد فهم هذه الحياة، فيجب ألّا أعيش فيها عالةً على غيري، بل يجب أن أخوض الحياة الحقيقية التي هي نتاج للإنسانية جمعاء، وأن أجربها بنفسي.
ما حدث لي في ذلك الوقت كان كالتالي:
على مدار عام كامل، كنت أسأل فيه نفسي كل دقيقة إن كان يجدر بي إنهاء كل شيء بحبل مشنقة أو رصاصة، وعندما كانت تجتاحني كل تلك الأفكار التي تحدثت عنها مسبقاً، كان هنالك شعور مؤلم يعذب قلبي، ولا أستطيع أن أصفه سوى بأنه البحث عن الله.
لم يكن بحثي عن الله وليد العقل، بل كان وليد العاطفة. ذلك أن منبعه لم يكن من التفكير -الذي كان يتصادم معه في الواقع-، بل كان ينبع من القلب. لقد كان شعوراً بالخوف والوحدة، شعوراً بالعزلة في مكان غريب على أمل أن ينتشلني أحد منه.
على الرغم من حقيقة أنني كنت مقتنعاً بعض الشيء باستحالة إثبات وجود الله (كما بيّن لي كانطْ، وكنت قد فهمت استنتاجه عن استحالة ذلك)، إلا أن ذلك لم يمنعني من البحث عن الله على أمل الوصول إليه. وانطلاقاً من عادتي القديمة، توجهت إليه بالصلاة، وخاطبت في صلاتي من كنت أبحث عنه ولم أصل إليه بعد. لقد كنت أراجع مع نفسي استنتاجات كانط وشوبنهاور(٤) في استحالة إثبات وجود الله محاولاً تفنيدها. كنت أقول لنفسي أن السببية لا تتبع التصنيفات الفكرية كما هو الحال في الزمان والمكان. إن كنتُ موجوداً، فلا بد من وجود سبب ما لوجودي، وأن يكون هذا السبب هو السبب لجميع الأسباب. هذا السبب الذي يسبق جميع الأسباب هو ما نسميه بالإله. ظللت أتمعن في هذه الفكرة محاولاً إدراك هذا “السبب” بكل كياني. عندما سلّمت بوجود هذه القوة التي تسيطر علي، شعرت معها بإمكانية هذه الحياة. ولكنني كنت أتساءل بيني وبين نفسي، ما هو هذا “السبب”؟ وما هي هذه القوة؟ وبأية طريقة يجدر بي أن أفكر فيها؟ وما هي العلاقة بيني وبين ما أسميه بالإله؟ ولم يخطر ببالي عندئذ سوى ذلك الجواب المعتاد: “إنه الخالق، وإنه مصدر كل هذه المخلوقات”. لم ترضني هذه الإجابة، وشعرت أن الشيء الذي كنت أبحث عنه لكي أحيا لا يزال مفقوداً. لقد غمرني الرعب، وبدأت في الصلاة لمن كنت أسعى إليه علّه ينقذني. وكلما صلّيت أكثر، كلما ازددت قناعةً في أنه لم يكن يسمعني، وأنه لا يوجد أي أحد أستطيع اللجوء إليه. لقد ملأتْ حقيقة أن الله غير موجود قلبي باليأس، وصرخت: “ارحمني يا إلهي! أنقذني!”، ولكن لم يرحمني أحد، فشعرت أن حياتي قد اقتربت من نهايتها.
ولكنني كنت دائماً ما أعود إلى استنتاجي القائل بأنني لا يمكن أن أوجد في هذه الحياة دون سبب ما أو هدف أو معنى. لا يمكن أن أكون مجرد فرخٍ سقط من عشّه كما كنت أرى نفسي. وعلى فرض أنني كنت كذلك، عندها سوف أكون مستلقياً على العشب أنتحب باكياً لأنني أعلم أن هنالك أمّاً قد حملتني وحضنت بيضتي وأنعمت عليّ بدفئها وغذّتني وأحبّتني. أين هي أمّي الآن؟ إن كنت مهجوراً، فمن ذا الذي هجرني؟ لا أستطيع أن أخفي عن نفسي حقيقة أن أحداً ما قد ربّاني وأحبّني. لم أكن أستطيع التوقف عن الإحساس بوجود ذاك الذي أحبّني وكان السبب في وجودي هنا. من هو ذلك الشخص؟ كانت الإجابة كما هي من قبل: الله.
كنت أقول لنفسي :”إن الله يرى سعيي إليه، ويرى يأسي وصراعي، إنه موجود لا محالة”. كنت كلما أدركت ذلك أشعر بأنني قد بُعثت للحياة من جديد، وكنت أستشعر إمكانية هذه الحياة، بل وحتى متعة وجودي فيها. ولكنني كنتُ أنتقل مجدداً من إدراك وجود الله إلى التفكير في ماهية علاقتي به، وفي كل مرة كان من يتمثل أمامي هو إله الأقانيم الثلاثة(٥) الذي خلقنا، والذي أرسل إلينا ابنه ليكون مخلّصنا. عندها، كان ذلك الإله البعيد عني وعن هذا العالم يذوب أمام عينيّ كالجليد مجدداً، فيختفي كل شيء مرة أخرى، وينضب ينبوع الحياة في نفسي. كنت أشعر بعدها باليأس، وبأنه ليس هنالك من طريق سوى الانتحار، وأسوء من ذلك كله هو أنني لم أكن أجرؤ على فعل ذلك.
لقد عانيت من مثل هذه الحالات ليس لمرتين أو ثلاث، بل لمئات المرات. فتارة كنت مفعماً بالمتعة والحيوية، وتارة أخرى كنت يائساً وأشعر باستحالة الاستمرار في هذه الحياة.
أتذكر أنني في أحد أيام الربيع الأولى، كنت جالساً لوحدي في الغابة أصغي لحفيف أشجارها، وكنت أفكر في ذلك الشيء الذي لازمني طوال ثلاث سنين، كنت أفكر في الله مجدداً. قلت لنفسي: “حسناً، إنّ الله غير موجود. ليس هنالك من شيء يمكن أن يكون واقعياً وليس من نسج الخيال سوى حياتي هذه. إنه غير موجود، ولا توجد أي معجزة تستطيع إثبات وجوده، لأن معجزة كهذه لن تكون سوى من نسج خيالي غير المنطقي”.
“ولكن من أين لي هذا الشعور بالله الذي أسعى إليه؟” هكذا كنت أسأل نفسي، فتنبعث بهجة الحياة في داخلي مجدداً، ويعود كل شيء حولي إلى الحياة. لكن هذه السعادة لا تلبث طويلاً حتى تخمد مرة أخرى، لقد كان عقلي يواصل عمله.
قلت لنفسي: “إن (مفهوم الإله) ليس هو الإله نفسه. لأن المفاهيم هي مجرد شيء يتكون في النفس. إن مفهوم الإله هو شيء أستطيع استحضاره في نفسي عندما أريد ذلك، كما أستطيع أن أحجم عن التفكير فيه عندما أريد. ليس هذا ما أسعى إليه، إن ما أسعى إليه هو ذلك الشيء الذي لا يمكن للحياة أن توجد بدونه.” وحالما بدأت الحياة تذوي في داخلي ومن حولي من جديد، راودتني تلك الرغبة في الانتحار مرة أخرى.
ولكني عندما وصلت إلى تلك المرحلة، أمعنت النظر إلى نفسي وإلى كل ما كان يحدث داخلها، واسترجعت كل تلك التقلبات العديدة التي خضتها بين الموت والحياة. وتذكّرت كيف أنني كنت أحيا فقط عندما أؤمن بالله. عندها قلت لنفسي، كما أقول لها الآن: “إنني حيٌّ ما دمت مؤمناً بالله، وأموت عندما أغفل عنه أو أنكر وجوده”. من الواضح أنني لا أستطيع أن أحيا عندما أفقد إيماني بوجود الله، وأنني كنت سأنتحر قطعاً لولا ذلك الأمل الضئيل في أنني سوف أصل إليه. إنني حقاً لا أحيا إلا عندما أدرك وجوده وأنطلق للبحث عنه. دوتْ في داخلي صرخة: “ما الذي أبحث عنه؟! إنه هناك، ذلك الذي لا يمكن للحياة أن توجد بدونه. إن معرفة الله والحياة هما في الواقع شيء واحد. الله هو الحياة. عش باحثاً عن الله، وسوف لن تحيا بدونه”. عندها أشرق نورٌ ساطع أضاء نفسي وما حولي، ولم يفارقني هذا النور بعدها أبداً.
لقد نجوت من الانتحار. لا أعلم كيف أو متى حدث ذلك. فكما أن قوة الحياة قد ذوت في داخلي تدريجياً في غفلة مني حتى شعرت باستحالة هذه الحياة وبالرغبة في الانتحار، انبعثت تلك القوة مجدداً في داخلي وفي غفلة مني أيضاً. والغريب أن تلك القوة لم تكن شيئاً جديداً علي، بل كانت نفس تلك القوة التي كانت تدفعني للحياة في فجر عمري.
لقد عدت إلى تلك الأمور التي تنتمي لفترات طفولتي وصباي. لقد عدت إلى الإيمان بتلك الإرادة التي أوجدتني والتي ترغب مني القيام بشيء ما. لقد عدت إلى تلك القناعة في أن الهدف الوحيد من حياتي هو أن أصبح أفضل وأن أعيش وفقاً لتلك الإرادة. لقد عدت للإيمان بأنني أستطيع أن أرى تجلي هذه الإرادة في شيء لطالما كان خافياً عني، وفي شيء لطالما سعت الإنسانية جمعاء للاهتداء به، وباختصار، لقد عدت للإيمان بالله، وبالسعي للكمال الأخلاقي، وبالمعتقدات التي تعطي لهذه الحياة معناها. كان الفارق الوحيد هو أنني كنت قد آمنت بكل هذا دون وعي مني، أما الآن فأنا موقن أنني لا أستطيع أن أحيا دون هذا الإيمان.
إن ما حدث لي كان كالتالي: لسبب ما لا أعلمه، وجدت نفسي على متن قارب تم دفعه بعيداً عن الشاطئ. كانت الطريق للشاطئ المقابل موضّحة لي من قبل، وكنت ممسكاً بالمجاذيف بيديّ الغضّتين غير المدرّبتين. كنت أبذل كل ما أستطيع بذله من جهد لأصل بالقارب إلى الشاطئ المقابل، ولكن التيار كان يزداد قوة كلما اقتربت من المركز، وكان يدفع بي بعيداً عن طريقي. لقد رأيت الكثير من الأشخاص الذي جرفهم التيار بعيداً عن طريقهم مثلي. كان هنالك عدد قليل من الأشخاص الذين واصلوا التجذيف، وكان هنالك أشخاص آخرين رموا بمجاذيفهم بعيداً. كانت هنالك قوارب كبيرة وكثيرة مليئة بالبشر، بعضهم كان يكافح ضد التيار، بينما استسلم البعض الآخر له. وبينما كنت منشغلاً في النظر إلى الناس الذين أبعدهم التيار عن طريقهم، كنت أغفل عن طريقي كلما أبحرت أكثر. وعندما وصلت إلى مركز ذلك التيار، وفي وسط ذلك العدد الكبير من القوارب التي جرفها التيار إلى هناك، تُهتُ عن الطريق المرسومة لي تماماً ورميت بمجاذيفي بعيداً. وفي جو مليء بالفرح وبهجة الانتصار، كان الناس هناك يؤكدون لي ولبعضهم البعض أنْ لا طريق آخر سوى هذا الطريق، فصدّقتهم ومضيت معهم. لقد أبحرت بعيداً جداً، وكنت أستطيع أن أسمع هدير الأمواج التي كنت على وشك أن أهلك فيها، وأن أرى القوارب الأخرى تتحطم عليها. عند ذلك استعدت أشلائي وعدت إلى رشدي، لقد مضى زمن طويل لم أكن فيه أعلم ما الذي قد حدث لي. لقد رأيتُني أتجه نحو حتفي الذي كنت أخشاه، ولم يكن هنالك أي طريق للخلاص منه. غير أنني نظرت إلى الوراء، فرأيت الكثير من القوارب التي كانت تصارع التيارَ العنيف، تذكرت عندها المجاذيفَ والطريقَ التي رُسمت لي، فبدأت في الإبحار عكس التيار متجهاً نحو الشاطئ المقابل.
أما الشاطئ المقابل فقد كان الله، وأما الطريق إليه فكانت العقيدة التي ورثتها، وأما المجاذيف فقد كانت الإرادة الحرة التي مُنحتها للإبحار إلى الشاطئ المقابل حيث أجد الله. وبهذا تجدّدت فيّ قوة الحياة، فبُعثت لأحيا من جديد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القربان المقدس (أفخارستيا). هو أحد الأعياد المسيحية التي يحيي المسيحيون فيه ذكرى عشاء عيسى المسيح مع تلاميذه. أما طقوس الاحتفال فهي تناول قطعة من الخبز تمثّل جسد يسوع، وقد يتم غمسها في قليل من الخمر الذي يمثل دمه.
(2) كثيراً ما يقتصر الكتّاب الروس على الحرف الأول من اسم الشخص لعدة أسباب، أحدها هي الحفاظ على خصوصية ذلك الشخص في حال كونه شخصية حقيقية.
(3) هذا النص ورد في كتاب Last steps: The Late Writings of Leo Tolstoy، الذي أورد فيه صاحبه مقتطفاتٍ من كتب ورسائل ليو تولستوي. وقد اختار أن يورد الفصل الأول من كتاب اعتراف A Confession متبوعاً بالفصل الثاني عشر مباشرة لكونهما يحكيان باختصار قصة عودة تولستوي إلى الإيمان.
(٤) كانط (١٧٢٤-١٨٠٤م)، شوبنهاور (١٧٨٨-١٨٦٠م)، فيلسوفان ألمانيّان.
(٥) عقيدة الأقانيم الثلاثة، وتسمى أيضاً بالثالوث المقدس، هو اعتقاد عند بعض المسيحيين أن الله الواحد هو ثلاث أقانيم(حالات) في نفس الجوهر، وهي الأب والابن والروح القدس.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s