الديموقراطيّة والمساواة – فولتير

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

الديموقراطية والمساواة – فولتير

فولتير
فولتير

هذان المقالان مأخوذان من القاموس السياسي لفولتير، والمنشور عام ١٧٦٤م.

الديموقراطيّة:

لا توجدُ بالعادة مقارنةٌ بين جرائم الرجال العظام، الذين يكونون طموحين دائمًا، وجرائم الناس، الذين يرغبون دائمًا -ولا يرغبون إلا- بالحرية والمساواة. لا تؤدي هاتان العاطفتان -الحرية والمساواة- إلى الافتراءات والنهب والاغتيال والتسميم أو تخريب ممتلكات الجيران وغيرها بشكلٍ مباشر. لكن يمكن للطموح أن يؤدي إلى ذلك، ويدفعُ جنون السلطة الرجالَ لارتكاب كل هذه الجرائم، وقتما كانوا وحيثما كانوا.

ولذا، فالحكومة الشعبوية بحد ذاتها أقل شرًا وبشاعةً من السلطة الاستبدادية.

أعظم خطيئة في الديموقراطيّة ليست الطغيان أو الوحشيّة؛ فقد كان هناك جمهوريّون متوحّشون همجيّون كأنهم سكّان الجبال، ولكنّ الطبيعة هي التي جعلتهم كذلك وليست الروح الجمهوريّة.

الخطيئة الحقيقيّة للجمهورية المتحضرة هي ما تعبّر عنها الحكاية التركيّة، وهي حكاية التنين الذي يمتلك رؤوسًا متعددة والتنين الذي يمتلك أذيالًا متعددة. هاجمت الرؤوس بعضها البعض، بينما أطاعت الذيول رأسًا واحدًا كان يسعى للقضاء على كل شيء.

تبدو الديموقراطيّة ملائمةً لدولة صغيرة جدًا فقط، ولا بدّ أن يكون موقعها مناسبًا. ولأنّ الدولة تتكون من بشر، فلا بدّ أنها سترتكب الأخطاء مهما بلغ حجمها. سيعمّ الخلاف فيها كما يعمّ في دور الرهبنة، ولكن لن يتكرر ما حدث للقديس بارثولوميو، ولن تتكرر المجازر الإيرلندية، ولا ثورة صلاة الغروب الصقليّة، ولا محاكم التفتيش، ولا إدانة مطابخ السفن لأخذها مياه البحر دون أن تدفع ثمنه (إلا إذا افترض أحدُنا أن الجمهوريّة تتكوّن من شياطين وتقع في أحد أركان الجحيم).

هنا يطرح السؤال الأبديّ: أيهما أفضل، الجمهورية أم المملكة؟ دائمًا ما يُفضي هذا الجدال إلى اتفاقٍ بأنّ السياسة أمرٌ صعب، فقد كان الربّ بنفسه مثلًا حاكمًا على اليهود، وانظر ما حصل لهم نتيجةً لذلك؛ لطالما قُمعوا واستُعبدوا، بل لا تبدو أوضاعهم جيدة حتى يومنا هذا.

المساواة:

من الجليّ أنّ الأفراد متساوون من حيث مَلَكَاتهم الطبيعيّة. فهم متساوون حين يقومون بوظائف حيوانيّة، ومتساوون حين يُعملون فهمهم الخاص. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع ملك الصين ولا كبير المغول ولا سلطان الأتراك أن يقول لأقل الرجال حظًا: “خدعتك لتهضم طعامك، أو لتذهب للمرحاض، أو لتفكّر.” الحيوانات متساويةٌ ضمن نوعها [١] الخاص. تمتلك الحيوانات ميزةً لا نمتلكها نحن، وهي الاستقلالية. فلو كان هناك ثورٌ يتودد لبقرة، وجاء ثورٌ أقوى وطرده بقرونه، فسيمضي الثور الأول باحثًا عن عشيقة أخرى بحقلٍ آخر، وسيعيش حرًا. ولو ضرب ديكٌ ديكًا آخر، فسيجد الديك الثاني سعادته في قن آخر. ليس هذا هو الحال معنا؛ ينفي الوزير بستانيًا لجزيرة يمنوس، وينفي الوزير الأعظم ذلك الوزير لجزيرة تينيدوس، ثم ينفي السلطانُ الوزيرَ الأعظم لجزيرة رودس، ثم يضع الانكشاريّون [٢] السلطان بالسجن وينتخبون مكانه سلطانًا آخر ينفي من المسلمين الأخيار من يشاء، وسيدين الناس له بالولاء إذا ما قصر حدود سلطته المقدسة على هذه الممارسة البسيطة.

لو كان هذا العالم كما ينبغي، لو تمكّن الفرد من أن يجد قُوْته بسهولةٍ في أي مكان، ولو وجد مناخًا يلائم طبيعته، فمن الواضح أنّه سيستحيل على أي فردٍ أن يستعبد آخر. لو كان هذا الكوكب مغطّى بالفواكه الصحية، ولو لم يعطنا الهواء (الضروري لحياتنا) أمراضًا أو موتًا مبكرًا، ولو لم يحتج الفرد سكنًا أو منامًا إلا بما يحتاجه الوعل أو الغزال، لما امتلك جنكيز خان أو التيموريين من الخدم سوى أبنائهم، وسيكون هؤلاء الأبناء طيبون بحيث يخدمونهم حتى يبلغوا من العمر عتيًا.

في الحالة الطبيعيّة، سيكون الإنسان سعيدًا مثل بقيّة البهائم البرّية والطيور والزواحف، وستكون الهيمنة عندها وهمًا وأمرًا سخيفًا لا يخطر على بال أحد. فمن ذا الذي يسعى للحصول على خدم إذا لم يحتج إلى خدمتهم؟

لو خطر على بال فرد ذا عقلٍ طغياني ويد قويّة أن يستعبد جارًا أضعف منه، فسيكون هذا الأمر مستحيلًا؛ سيبلغ المضطَهَد نهر الدانوب قبل أن يتمكّن المضطهِد من أخذ مقاسات نهر الفولجا.

سيكون كل الأفراد بالضرورة متساوين إذا لم يكن عندهم أي احتياجات. ما يجعل فردًا عبدًا لآخر هو الفقر المرتبط بالنوع البشري. ليست الآفة الحقيقيّة في اللامساواة، بل في الاعتماديّة. لا يهم كثيرًا أن ينعت فلانٌ نفسه بـ”معالي” أو “سمو”، لكن أن يكون الفرد في خدمة أي منهما فهو أمرٌ صعب.

لو حرثت عائلةٌ كبيرةٌ تربة خصيبة، وقطنت بجوارها عائلتان صغيرتان لا تمتلكان إلا حقولًا جدباء، فعلى العائلتين الفقيرتين أن تخدما العائلة الثرية أو تذبحانها. لا توجد أي صعوبة في ذلك. لكن لو أنّ إحدى العائلتين عرضت خدماتها على العائلة الثريّة مقابل الخبز، بينما هاجمتها الأخرى دون نجاح، فيمكن أن نقول أنّ العائلة الأولى هي أصل الخدم والعمّال، بينما تكون الثانية أصل العبيد.

في عالمنا التعيس، من المستحيل ألا ينقسم أفراد المجتمع إلى طبقتين، ثريّة تمسك بزمام الأمور، وفقيرة تضطر للخضوع، وتنقسم هاتين الطبقتين بدورهما لآلاف الدرجات المختلفة.

حين تُقسّم الأرزاق تأتي أنت إلينا قائلًا: “أنا إنسان مثلكم، لدي يدان وقدمان، وأملك كرامةً كما تملكون، بل وعقلًا فوضويًا ومتناقضًا ولا-منطقيًا مثلكم. أنا مواطن من سان مارينو أو راغوسا أو فاوجيرارد، أعطوني حصّتي من الأرض. في نصف الكرة الأرضية الذي نقبع فيه يوجد حوالي خمسين مليار فدانٍ ليحرث، وإن كان بعضها عقيمًا أو مقبولًا. لسنا سوى مليار حيوان أمرط يمشي على قدمين في هذه القارة، وذلك يجعل لكل منا خمسين فدانًا. كونوا عادلين وأعطوني الخمسين فدانًا الخاصة بي.”

وسنجيبك نحن: “اذهب وخذها من أراضي الكفار والسود أو السيموديين [٣]، اعقد معهم اتفاقية سلميّة، فجميع الحصص هنا مأخوذة. إذا أردت تأكل وتلبس وتسكن وتطمئنّ بيننا، اعمل لصالحنا كما فعل والدك، اخدمنا أو أمتعنا، وسندفع لك بالمقابل. وإذا لم ترغب بذلك، فستضطر لأن تتسوّل، وهذا أمرٌ مخزٍ لفطرتك السامية، وسيمنعك هذا التسوّل من أن تكون ندًا للملوك، بل حتى للمواطنين، وهذا يعتمد على ادعاءات كرامتك النبيلة.”

الفقراء ليسوا تعساء؛ غالبيّتهم ولدوا في تلك الحال، ويبقيهم العمل المستمرّ من استشعار وضعهم بتمعّن. لكننا نرى الحروب حين يشعرون بوضعهم، كتلك التي شنها الحزب الشعبيّ ضد حزب الشيوخ في روما، وكتلك التي قام بها الفلاحون في ألمانيا وإنجلترا وفرنسا. كل هذه الحروب تنتهي عاجلًا أو آجلًا باستعباد الشعوب، لأن الأقوياء يملكون المال، والمال هو سيد كل شيء في الدولة. أقول في الدولة لأنّ ذلك لا ينطبق على العلاقات بين الأمم؛ الأمة التي تجيد استخدام سيفها ستخضع دائمًا الدولة التي تمتلك ذهبًا أكثر وشجاعةً أقل.

كل الرجال يولدون بنزعةٍ عنيفةٍ كافية للهيمنة والثروة واللذة، وبرغبة كبيرة بالكسل. ونتيجةً لذلك، فكل الرجال يحبّون الأموال والزوجات وبنات الآخرين، ويتمنّون لو كانوا أسيادًا عليهم ليخضعوهم لنزواتهم، أو لكي لا يفعلوا شيئًا، أو لكي يقومون بما هو محبب. ترون إذًا بوضوحٍ أن وجود هذه النزعات يجعل من المحال على الأفراد أن يكونوا متساوين؛ فمن المستحيل ألا يغار مبشّران أو لاهوتيان من بعضهما البعض.

في الحال التي هو عليها الآن، لا يمكن للعرق البشري أن يستمرّ إلا بوجود عدد لا حصر له من الأفراد الذين لا يملكون شيئًا مطلقًا. من المؤكد أن الرجل المتيسّرة أحواله لن يترك أرضه ليحرث أرضك، وإذا ما احتجت زوجًا من الأحذية، فلن يصنعه لك سكرتير المجلس الملكي. المساواة إذن هي الأمر الأكثر طبيعيّة والأكثر خياليّة.

وكما أن الأفراد يميلون للتطرف في كل شيء، فهذه اللامساواة قد تم المبالغة فيها. جرت العادة في كثير من الدول بأنّ المواطن لا يستطيع مغادرة الدولة التي جعله القدر يولد فيها. جوهر هذا القانون هو هذا: “هذه الأرض سيئة وحكّامها سيئون لدرجة أننا نمنع أي فرد من مغادرتها خشية أن يغادرها الجميع.” الأمر الأفضل هو أن تجعل جميع رعاياك يتمنّون العيش في دولتك، وأن يتمنى الأجانب أن يأتوا إليها.

كل الأفراد يمتلكون في قرارة نفسهم حقًا بأن يعتبروا أنفسهم أندادًا للأفراد الآخرين. لا يعني ذلك أنّه يمكن لطباخ الكاردينال أن يأمر سيده بإعداد عشائه، لكن يمكن للطباخ أن يقول: “أنا رجلٌ كسيّدي، وقد ولدت مثله باكيًا، وسيموت بنفس الانقباضات والمراسيم مثلي. كلانا نؤدي الوظائف الحيوانية نفسها. لو احتلّ الأتراك روما وصرتُ كاردينالًا وصار سيّدي طباخًا، فسأجعله في خدمتي.” هذا الحوار عقلاني وعادل، لكن حتى الوقت الذي يحتل فيه السلطان التركي روما، فعلى الطباخ أن يؤدي وظيفته، وإلا صار المجتمع البشري في حالة فوضى.

أما بالنسبة للفرد الذي لا يكون طباخًا للكاريدنال ولا يمتلك أي وظيفة في الدولة، وبالنسبة للشخص الذي لا يرتبط بأي شيء، ويكون منزعجًا من استقباله في كل مكان بريبة وازدراء، والذي يرى بوضوحٍ أن العديد من الأسياد لا يمتلكون معرفة أو فطنة أو فضيلة أكثر منه، والذي يملّ أحيانًا من الانتظار في حجراتهم، فما الذي يفترض عليه فعله؟ أن يزيل نفسه طبعًا.

————————————————

[١] النوع = species

[٢] الانكشاريّون: فرقة من الجيش العسكري العثماني.

[٣] السيموديون: Samoyedes، يبدو أنه اسم جامع لشعوب تتحدث اللغات الأوراليّة بصربيا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s