جند الشيطان – جيرولامو سافونارولا

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

جند الشيطان – جيرولامو سافونارولا

جيرولامو سافونارولا
جيرولامو سافونارولا

حين يرى الشيطان ضعف الإنسان، يضربه بعصا من أجل أن يوقعه في المعصية. لكنّه حين يرى قوّته، يضربه بفأس. حين تكون هناك فتاةٌ يافعةٌ متواضعة وحسنة التربية، يرمي الشيطانُ في طريقها شابًا داعرًا من أجل أن يجعلها تنصاعُ لمغازلاته وتقعُ في المعصية؛ هكذا يضربها الشيطان بفأسه. هنا مواطنٌ بسمعة حسنة، يدخل بلاط الملوك العظام، فيكون هناك الفأس مشحوذًا بحيث لا تستطيع أي عفّةٍ مقاومة ضرباته. لكننا الآن نعيش في أيامٍ أكثر شرًا؛ جمع الشيطانُ أتباعه معًا، وقاموا بتوجيه ضرباتٍ شديدةٍ لأبواب المعبد. تُدخل البيوت من أبوابها، والأساقفة هم أبواب المؤمنين لكنيسة المسيح. ولذا فقد وجّه الشيطانُ أقوى ضرباته نحوهم، وحطّم تلك الأبواب. لذلك لم يعدْ هناك من أساقفةٍ صالحين في الكنيسة. ألا ترى ضلالهم في كلّ ما يفعلون؟ لا ملكة حكمٍ لديهم، لا يفرّقون بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الحلو والمر [١]. يعتبرون خير الأمور شرًا، وحقها باطلًا، وحلوها مرًا، والعكس كذلك. انظر كيف هم في هذه الأيّام مقيّدون للأرض بحبّهم لما هو أرضيّ فانٍ؛ لم يعد خلاص الأرواح مناهم، هم سعيدون بتلقّي الأرباح، ويبشّر المبشّرون بما يتمتّع به الملوك لأجل أن يحظوا بالثناء والتبجيل. وقد قاموا بما هو أسوأ من ذلك، فلم يدمّروا كنيسة الرب وحسب، بل بنوا مكانها كنيسة أخرى في صورتهم. هذه الكنيسة الجديدة ليست مبنيّةٍ من حجرٍ حي، أي من مسيحيين راسخين في العقيدة الحيّة وقالب الإحسان، بل مبنيةً من عصي، أي مسيحيين جافّين كصوفانٍ لنار جهنّم. امضِ لروما وتجوّل في المملكة المسيحية، ليس هناك في قصور الملوك العظام والأساقفة العظام سوى الشعر والفنون البلاغية. اذهب هناك وانظر، ستجدهم وكتب الإنسانيّات بأيديهم، يخبرون بعضهم البعض بإمكانيّة إرشاد روح الأفراد عن طريق فيرجل وهوراس وسيسيرو. ألا تر كيف صار المنجّمون يحكمون الكنيسة؟ ليس هناك من أسقف أو ملك عظيم إلا والتجأ في أموره الخاصة بمنجّمين يخبرونه بالساعة واللحظة التي يتوجّب فيه عليها أن يغادر أو يباشر أمرًا ما. هؤلاء الملوك العظام يسعون ألا يخطون خطوةً إلا بما يراهن به منجّموهم.

لكن في معبدهم هذا، هناك أمرٌ واحد يسرّنا بشدة؛ ذلك أنّ كل ما فيه مطليٌّ ومزيّن بالذهب. وهكذا صارت كنيستنا تقيم احتفالاتٍ عامّة مبهرة إجلالًا للطقوس السماويّة، بأثواب بهيّة وأقمشة عديدة، وبشموع ذهبية وفضية، وكؤوس قربانٍ يكون حملها منظرًا مهيبًا. هناك ترى الأساقفة العظام بقلنسوات من ذهبٍ وأحجار كريمة على رؤوسهم، وصولجانات فضية بأيديهم. هناك يقفون على المذبح، مزيّنين بأفاريز حسنة ودثاراتٍ مطرزة، يهتفون بصلوات جميلة وقداسٍ ببطء وباحتفاء، وبالعديد من الأرغن والجوقات، بحيث يذهلك المنظر، ويبدو كل هؤلاء القساوسة لك أتقياء أجلّاء، ولا تصدّق أنّهم يمكن أن يكونوا على خطأ، بل تعتبر كلّ ما يقولونه ويفعلونه مطاعًا كما هو الإنجيل؛ هكذا تدير كنيستنا أمورها. يتغذّى الأفراد على هذا الخيلاء ويحتفون بهذه الأبهات، ويقولون أن كنيسة المسيح لم تكن يومًا مزدهرةً أو مبجّلةً أو مدبّرة كما هي اليوم، وبأنّ الأساقفة السابقين أدنى مرتبةً من أساقفة زماننا. صحيحٌ أن السابقين املتكوا قلنسواتٍ ذهبية أقل وكؤوس قداس أقل، فما امتلكوه قسّموه على الفقراء المعوزين، بينما أساقفتنا يسرقون الفقراء من كلّ ما يعولون به أنفسهم من أجل أن يحظون بكؤوسهم. ألا تعلم ما أودّ إخبارك به؟ في بدايات الكنيسة، كانت الكؤوس من خشب والأساقفة من ذهب، واليوم امتلكت الكنيسة كؤوسًا من ذهب وأساقفةً من خشب. هؤلاء أحضروا ألاعيب شيطانيّة بينهم، هم لا يؤمنون بالرّب ويسخرون من معتقداتنا! ما أنت فاعلٌ أيها الرب؟ لم أنت هاجعٌ عنهم؟ انهض وخلّص كنيستك من أيدي هؤلاء الشياطين، من أيدي هؤلاء الطغاة، من أيدي الأساقفة الظالمين. هل هجرت كنيستك؟ ألم تعد تحبّها؟ أليست عزيزة عليك؟ يا رب، لقد أصبحنا أشرّ الأمم؛ الأتراك أسياد القسطنطينيّة، ولقد خسرنا آسيا، خسرنا اليونان، وصرنا ندفع الجزية للكفّار. يا رب، لقد عاملتنا كأبٍ ساخط، أبعدتنا من رحمتك! عجّل إذن بتطهيرنا وتعذيبنا من أجل أن تكرمنا بالعودة إليك. صبّ غضبك على أمّتك [٢]. لا تكونوا غاضبين يا إخوتي من هذه الكلمات، بل حين ترون أنّ الأتقياء يبتغون التطهير، اعلموا أنّهم يرغبون بطرد الشر من أجل أن تزدهر مملكة ربّنا، عيسى المسيح، في هذا العالم. أملنا الوحيد يبقى في أن يضرب سيف الرب على هذه الأرض.

—————————

[١]: inter bonum et malum, inter verum et falsum, inter dulce et amarum

[٢] Effunde iras tuas in gentes 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s