عصر العقل: في الرسالات والوحي – توماس بين

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

في الرسالات والوحي – توماس بين

توماس بين
توماس بين

تأسستْ كل كنيسةٍ قومية أو ديانةٍ على ادعاء أنّ هناك مهمةً خاصةً أوصلها الرب لأفراد معينين. لليهود موساهم، وللمسيحين يسوعهم ورسلهم وقديسيهم، وللأتراك محمّدهم، وكأنما الطريق للرب ليس متاحًا لكل الأفراد على حد سواء.

لكلٍّ من هذه الكنائس كتبٌ معينة، والتي يسمونها وحيًا أو كلمة الرب. يقول اليهود أن كلمة الرب الخاصة بهم أعطاها الرب لموسى وجهًا لوجه، ويقول المسيحيون أن كلمة الرب الخاصة بهم جاءت بإلهامٍ إلهيّ، ويقول الأتراك أن كلمة الرب الخاصة بهم أُنزلتْ من السماء عن طريق مَلَك. كل واحدةٍ من هذه الكنائس تتهم الأخرى بالكفر، وأنا بدوري أرميهم جميعًا بالكفر.

ولأنّه من الضروري إلصاق الأفكار الصحيحة بالكلمات، فسأقوم قبل الخوض في تفاصيل الموضوع باستعراض بعض الملاحظات على كلمة “وحي”. الوحي في المفهوم الديني يعني أمرًا تم إيصاله مباشرةً من الرب للإنسان.

لا أحد سينكر أو سيجادل في قدرة الرب على الإتيان باتصالٍ كهذا وقتما شاء. لكن لغرض النقاش، فالإقرار بأن أمرًا ما أُوحيَ لفرد معين دون غيره، فذلك يعني أنّه وحيٌ لذاك الفرد وحده. حين يُخبر ذلك الفرد آخرًا، ويخبر الآخر ثالثًا، ويخبر الثالث رابعًا وهكذا، فلا يعني أنّه وحيٌ لكل أولئك الأفراد؛ هو وحيٌ للفرد الأول فقط، ونقلٌ بالنسبة للآخرين. لذلك فهم غير ملزمين بالإيمان به.

من التناقض في اللفظ والفكرة أن يتم تسمية أي شيءٍ يصلنا عن طريق الآخرين (سواءً شفهيًا أو كتابيًا) وحيًا. الوحي بالضرورة محدودٌ بالاتصال الأول، وبعدها يصبح مجرّد خبرٍ بأمرٍ ما يقول ذلك الفرد بأنه أوحي إليه. وعلى الرغم من أنه قد يجد نفسه ملزمًا بالإيمان بالأمر، فلستُ مجبرًا على الإيمان به بالطريقة ذاتها؛ فالأمر لم يوحَ إلي، ولا أمتلك دليلًا على أنه أوحي لذلك الفرد سوى قوله.

حين أخبر موسى بني إسرائيل بتلقيه لَوحيْ الوصايا من يد الرب، لم يكونوا ملزمين بتصديقه لأنّهم يمتلكوا دليلًا آخر عليها سوى ما أخبره إياهم، وأنا لا أمتلك دليلًا عليها سوى ما أخبرني إياه بعض المؤرخين، فالوصايا لا تحمل في ذاتها أي دليل على إلهيتها، وهي تحتوي قبساتٍ أخلاقيةً حسنة يمكن لأي فرد مؤهلٍ ليكون مشرّعًا أو مقننًا أن يأتي بها دون اللجوء للتدخل الخارق للطبيعة. (ملاحظة: إن من الضروري استثناء الخطاب القائل بأن الرب يفتقد “ذنوب الآباء في الأبناء الجيل الثالث والرابع” من مبغضيه*، فهذا الخطاب منافٍ لكل مبادئ العدالة الأخلاقية. -الكاتب).

حين يُقال لي أن القرآن كتب في السماء وأنزل على محمّد عن طريق مَلَك، فهذا الخبر في نفس مقام الدليل النقلي والثانوي كالسابق. أنا لم أرَ المَلَكَ بنفسي، ولذلك أملك حقًا بألا أؤمن به.

وكذلك حين يُقال لي أن امرأةً تسمّى مريم العذراء قالت أو أذاعت بأنها أنجبت ابنًا دون أن يمسّها رجل، وبأن خطيبها يوسف يقول بأن مَلكًَا أخبره بذلك، فأنا أملك حقًا بأن أؤمن بما قيل أو لا أؤمن. واقعةٌ كهذه تستلزم دليلًا أقوى من مجرّد كلامهم. لكننا لا نمتلكُ حتى كلمتهم؛ فلا يوسف ولا مريم كتبا هذا الأمر بنفسيهما، ولم تصلنا أقوالهم إلا منقولةً عن آخرين. ما وصلنا هو نقلٌ عن نقل، ولا أختار لنفسي بأن أطمئنّ باعتقادي على دليلٍ كهذا.

لكن ليس من الصعب التعليل للشأن الذي بلغته قصة كون عيسى المسيح ابنًا للرب. ولد المسيح في زمنٍ كانت الأساطير الوثنية رائجة وذائعة في العالم، وقد هيّأت الأساطيرُ الناسَ لأن يؤمنوا بقصة كهذه. وقد أذيع عن كل الرجال الخارقين تقريبًا والذين عاشوا في ظل الأساطير بأنهم أبناءٌ لبعض آلهتهم. لم يكن الإيمانُ بأن رجلًا وُلد إلهيًا أمرًا جديدًا، فالجماع بين الآلهة والنساء كان أمرًا مألوفًا حينها. فبحسب أخبارهم، جامع جوبيتر مئات النساء.لذا فالقصة لم تحتو في ذاتها أمرًا جديدًا أو مذهلًا أو مستهجنًا، بل كانت متوائمةً مع الآراء السائدة عند الأغيار** وعلماء الأساطير، وهم الوحيدون الذين صدقوها. واليهود الذين التزموا بشدة بعقيدتهم القائلة بإلهٍ واحدٍ لا أكثر، والذين طالما رفضوا الأساطير الوثنية، لم يؤمنوا بالقصة.

ومما يثير العجب ملاحظةُ نشوءِ نظريةِ ما يسمى بالكنيسة المسيحية، وهي الناشئة من أذيال الأساطير الوثنية. حدث تزاوجٌ مباشرٌ بينهما [أي بين النظرية المسيحية والأساطير] من البداية، وذلك حين جُعلَ مؤسس الكنيسة مولودًا إلهيًا. الثالوث الإلهيّ الذي تبع ذلك ليس إلا عملية تقليلٍ لتعدد الآلهة السابق، والذين قارب عددهم العشرين أو الثلاثين ألفًا. تمثال مريم العذراء هو خليفة تمثال ديانا الإيفسوسيّة. وقد تحوّل تأليه الأبطال لتطويب القديسين. وبينما كان علماء الأساطير يمتلكون آلهةً لكل شيء، فإن علماء الأساطير المسيحيين يمتلكون قديسين لكل شيء. أصبحت الكنيسة تضجّ بواحدٍ [من القديسين] مثلما كان البانثيون يضج بآخر [من الأبطال]، وروما هي مهوى الاثنين. النظرية المسيحية ليست إلا وثنيّة علماء الأساطير القدماء مكيّفةً لأغراض السلطة والثروة، ويبقى دور العقل والفلسفة في تفنيد هذه المزاعم في البرّ والبحر.

————————

* “لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثال والرابع من مبغضي” – سفر الخروج ٢٠:٥، ولعلّ الكاتب يقصد بأنّ ذنوب الآباء تودع في أبنائهم.

** المقصود بهم غير اليهود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s