عن الحرية (٢) – جون ستيوارت مل

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

عن الحرية (٢) – جون ستيوارت مل

جون ستيوارت مل
جون ستيوارت مل

ما يقرر إذن قواعدَ السلوك التي يجب على العامّة اتباعها اتّقاءً للعقوبات المدنية أو الآرائية هو ما يحبّه المجتمع ويبغضه بشكلٍ أساسي أو ما يحبّه ويبغضه الجزء القويّ من ذلك المجتمع. وبشكلٍ عام، فقد تُرك هذا المبدأ على ما هو عليه حتّى من قِبَل المساهمين في تقدّم تفكير المجتمع وأحاسيسه مهما تصادموا مع ذلك المبدأ في بعض تفاصيله. فقد شغلوا أنفسهم بالسؤال حول ما يجب أن يحبّه المجتمع أو يكرهه بدل التساؤل حول ما إذا كان يجب أن تصبح تفضيلاته وكراهياته قانونًا. فضّلوا إجهاد أنفسهم في تغيير مشاعر الناس حول نقاط معيّنة هم أصلًا مختلفون فيها بدلًا من تكوين قضيّة عامّة في الدفاع عن الحرية مع الاختلاف عمومًا. الحالة الوحيدة التي بُنيتْ فوقيّتها على المبدأ وصينت بالاتّساق (عن طريق الكل وليس عن طريق أفراد عشوائيين) هي الحالة الدينية. يمكن أن نتعلّم من هذه الحالة الكثير من الأمور، فعلى أقلّ تقدير هناك المثال الصارخ حول كون ما يُسمّى بالحس الأخلاقي غيرَ معصوم؛ فالكراهية الدينية عند المتعصب المخلص تمثّل إحدى أهم حالات الحس الأخلاقي الجليّة. إن الذين حطموا قيود ما يُسمّى بالكنيسة العالميّة كانوا عمومًا غير راغبين بالسماح بالاختلاف الديني، تمامًا مثلما كانت الكنيسة التي انشقوا عنها. لكن حين انتهت حدّة الخلاف دون أن ينتصر أي حزبٍ انتصارًا كاملًا، فقد اقتصرت كلّ كنيسة وكلّ مذهب على رسم حدود تطلّعاتهم من أجل المحافظة على ما حققوه. وحين رأت الأقلّيات أنّها غير قادرةٍ على أن تصبح أغلبيّة، فقد صار من الضروري عليهم مناشدة أولئك الذين فشلوا في تحويلهم من أجل السماح بالاختلاف الديني. وبسبب ساحة المعركة هذه وحدها -تقريبًا- تم التأكيد على حقوق الأفراد ضد المجتمع بشكلٍ مبدئي وأساسي، وتم تفنيد ادعاء المجتمع بممارسة السلطة على المنشقين. إن العالَمَ مدينٌ للكتّاب العظماء بالحرية الدينية التي يمتلكها، وهم نفسهم أكّدوا حرية الضمير كحقٍّ غير منقوض، وأنكروا إطلاقًا كون الإنسان مسؤولًا أمام الآخرين عن اعتقاده الديني. ولأن الناس مجبولون على اللا-تسامح في كلّ ما يهتمّون بأمره فعلًا، فقد ظلّت الحرية الدينية غير متحققةٍ عمليًا في أي مكان، عدا المناطق التي كان وزن اللامبالاة الدينية فيها ثقيلًا (حيث يكرهون أن تعكّر الصراعات اللاهوتية أجواءهم السلمية). ففي عقول كلّ المتدينين تقريبًا (حتى البلدان الأشد تسامحًا)، يتم الاعتراف بالتسامح مع وجود تحفظاتٍ مضمرة. قد يتسامح فردٌ ما مع من يخالفه في مسألة حكم الكنيسة، ولكن لن يتسامع في مسائل العقيدة؛ وقد يتسامح شخصٌ آخر مع الجميع ما لم يكونوا بابويين أو موحّدين؛ وقد يتقبّل آخر كلّ من يؤمنون بدين موحى؛ قلّةٌ فقط تتمكن من توسيع إحسانها بشكلٍ أكبر لكنّها تتوقف عند الإيمان بالله وبدولةٍ مستقبلية. حيثما كانت مشاعر الغالبية صادقةً ومتّقدة، يتّضح أن الغالبية تنازلت عن جزءٍ بسيطٍ فقط من دعواها بالطاعة.

ظروف تاريخ إنجلترا السياسية فريدةٌ من نوعها؛ فعلى الرغم من أن قيود الرأي أثقل من معظم الدول الأوروبية (وقيود القانون أخف)، وعلى الرغم من أن هناك ريبةً شديدةً لأي تدخل مباشر في الأمور الخاصة من قبل السلطة التشريعية أو التنفيذية، إلا أنّه ليس هناك احترامٌ معتبر لاستقلالية الفرد، ولا زال هناك استمرار لعادة أنّ الحكومة تناهض مصالح الشعب. لم تتعلم الغالبيّة بعد أن تشعر أن سلطةَ الحكومة هي سلطتُها، أو أن آراءَ الحكومة هي آراؤُها. حين يتعلمون ذلك، ستكون الحرية الفردية عرضةً لتدخّل الحكومة كما هي عرضةٌ لتدخّلات الرأي العام. لكن حتى اللحظة، هناك مشاعرُ جاهزة ومتّقدة من أجل استحضارها ضدّ أي محاولةٍ من القانون للتحكّم بالأفراد في أمور لم يعتادوا أن يتحكّم فيها أحدٌ سواهم. ويتم هذا الأمر بتمييزٍ بسيط فيما إذا كانت هذه الأمور تقعُ أصلًا ضمن مجال التحكم القانوني الشرعي،  وغالبًا ما يتمّ وضع هذا الحس بالمكان الخطأ بنفس قدر وضعه بمكانه الصحيح في حالات معيّنة من تطبيقه (برغم كونه مفيدًا عمومًا).

وفي الواقع، ليس هناك أي مبدأ معتبر يتمّ قياس صحّة أوخطأ تدخلات الحكومة به. يقرر الناس وفقًا لأهوائهم الشخصية. بعضهم سيحرّض الحكومة على القيام بأمرٍ ما وقتما رأى خيرًا يمكن فعله أو شرًا يمكن دفعه؛ ويفضّل بعضٌ آخر تحمّل كل شرٍّ اجتماعي على أن يقبل زيادة سيطرة الحكومة بأمرٍ يتعلّق بمصالح العلاقات البشرية. ويتّخذُ الأفراد جانبًا أو آخر في أي قضيّة معينة وفق توجيه عواطفهم بشكلٍ عام أو وفقًا لاعتقادهم بأنّ الحكومة ستقوم به كما يشتهون أو لا. ونادرًا ما اتّخذوا جانبًا وفقًا لرأيٍ التزموا به بشكل متسق، كأيّ الأمور ملائمة لأن تتخذ الحكومة فيها إجراءً (على سبيل المثال). ويبدو لي أنّ كلّ جانبٍ مخطئٌ كالآخر، وهذا نتيجة لغياب المبدأ أو القاعدة. ولذلك فمن الخطأ أن يُحرَّضَ تدخّل الحكومة أو يُدان، بنفس التردد تقريبًا.

الغرض من هذه المقالة تأكيد مبدأ بسيطٍ جدًا يكون صالحًا لتحكيم معاملات المجتمع مع الفرد بطريقة القسر والتحكّم، سواءً كانت وسائل التعامل قوة جسدية كالعقوبات القانونية أو القسر المعنوي للرأي العام. ذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر (فرديًا أو جمعيًا) التدخل بحرية أيٍّ عددٍ منهم هي حماية الذات. فالهدف الوحيد لأي سلطة شرعية تُمارس على أي عدد من المجتمع المتحضر ضد رغبته هو دفع الأذى عن الآخرين. مصلحة الفرد (سواء كانت جسدية أو معنوية) ليست مبررًا كافيًا؛ فلا يمكن إجبار الفرد على القيام بشيء أو الإمساك عنه لأنّ من مصلحته القيام بذلك أو أن لأن ذلك سيجعله أكثر سعادة أو لأن القيام بذلك يُعتبر أمرًا حصيفًا أو صحيحًا لدى الآخرين. هذه الأسباب ملائمة لمحاججته أو محاولة إقناعه أو التوسل إليه أو عقلنته، لكنّها ليست مناسبةً لإجباره أو التسبب بأي شرٍ نحوه إن لم يقم بذلك. وإذا لم يكن العمل الذي يُقدمُ عليه الفرد مُضرًا لغيره فلا مبرر لردعه بالقوة عنه. إنّ القسم الوحيد من سلوك المرء الذي يمكن للمجتمع التدخّل فيه هو ما يتعلّق بالمجتمع نفسه؛ فالفردُ يمتلك سيادةً على نفسه وعلى جسده وعلى عقله.

ربما من غير الضروري القول أن هذا المبدأ لا ينطبق إلا على الأفراد في مرحلة نضوجهم. نحن لا نتحدّث عن الأطفال أو عن الأفراد تحت سنّ الرشد القانونية للرجولة أو الأنوثة. وبالنسبة لأولئك الذين هم في حالة تتطلب رعاية الآخرين، فمن الواجب حمايتهم من أنفسهم رغمًا عنهم بالإضافة لحمايتهم من الضرر الخارجي. ويُمكننا لذات السبب استثناء حالات المجتمع الرجعيّة حيث يكون الجنس البشري بأكمله غير ناضج. الصعوبات المبكّرة في طريق التقدم العفوي عظيمة؛ ومن النادر أن تكون هناك خياراتٌ متعددة لتجاوز تلك الصعوبات. في تلك الحالة يمكن لحاكم يمتلك روحًا تقدّمية أن يستعمل أي وسيلة من أجل تحقيق غايةٍ لا يمكن تحقيقها بدون استعمالها. إن الاستبداد طريقة حكمٍ مشروعة في التعامل مع البرابرة، بشرط أن يكون الهدف تطويرَهم، عندئذ تكون الوسائل المستعملة لتحقيق تلك الغاية مبررة. الحرية، كمبدأ، لا يمكن تطبيقها في أي حالة من الأمور السابقة للزمن الذي تكون فيه البشرية قادرةً التطوّر بالنقاش الحرّ والعادل. وحتى ذلك الوقت، فليس لهم سوى الإطاعة الضمنية لـ “أكبر” أو لـ”شارلمان” إذا ما كانوا محظوظين في إيجاد من هو مثلهما. لكن وقتما حققت البشرية قدرةً على أن تُقاد للتطوّر عبر الإقناع والاقتناع (وهي فترة وصلت لها الأمم التي نتحدّث عنها عن منذ فترة طويلة)، فمن غير المسموح باستخدام القسر (سواء كان مباشرًا أو عن طريق الأسى أو العقوبات لمن لا يطيع) كوسيلة لتحقيق مصلحة الفرد الذاتية، ويكون القسر مبررًا في حالة حماية الآخرين وحسب.

من الملائم أن أذكر أنني أتخلى عن أي ميزةٍ يمكن اشتقاقها من حديثي لفكرة أنّ الحق المجرّد مستقل عن المنفعة. أعتبر المنفعة الإغراء المطلق لكل الأسئلة الأخلاقية؛ بشرط أن تكون المنفعة بمعناها الأعم، وأن تكون مؤسسةً على المصالح الدائمة للفرد ككائن تقدّمي. وأقولُ أن هذه المصالح تخوّل إخضاع العفوية الفردية للتحكم الخارجي بالنسبة للأعمال التي تتعلق بمصالح الناس الآخرين. إذا ما أقدم أحدٌ على عمل يؤذي الآخرين، فمن البداهة معاقبته بالقانون أو بالاستنكار العام (حين لا يكون تطبيق العقوبات القانونية آمنًا). هناك أيضًا أعمال كثيرةٌ أخرى لمنفعة الآخرين، ويُمكن أن يتم إجبار الفرد على القيام بها؛ كالإدلاء بالدليل أمام المحكمة، أو لعب دوره في الدفاع العام، وأي عملٍ مشتركٍ آخر ضروري لمصلحة المجتمع الذي يتمتع الفرد بحمايته. القيام بأعمال أخرى للمنفعة الذاتية، كإنقاذ حياة الآخرين أو التدخّل من أجل حماية الضعفاء من سوء الاستخدام، أو أي عمل من الواضح أن الفرد ملزم للإتيان به، فمن الممكن جعل الفرد مسؤولًا أمام المجتمع في حالة عدم القيام به. يمكن للفرد أن يتسبب بالشرّ للآخرين ليس عن طريق أفعاله وحسب، بل حتى بتراخيه. وفي كلا الحالتين، فهو مسؤولٌ عن الأذى الذي يلحق بالناس. الحالة الأخيرة تستوجب ممارسةً أكثر حذرًا للقسر من سابقتها. القاعدة هي أن نجعل كل إنسانٍ مسؤولًا عن الشر الذي يتسبب به للآخرين؛ أما جعل كل إنسان مسؤولًا عن عدم دفع الشر فهو استثناء للقاعدة، حين نتحدث بشكل نسبي. ومع ذلك فهناك العديد من الحالات الواضحة والخطيرة بشكلٍ كافٍ لأن يكون الاستثناء مبررًا. ففي كل ما يحكم العلاقات الخارجية للفرد، يكون ذلك الفرد مطيعًا بحكم القانون للذين تتأثر مصالحهم عن طريقه، بل يكون مطيعًا للمجتمع بوصفه حاميهم إذا ما استدعت الحاجة. هناك غالبًا أسباب جيدة لعدم تحميله المسؤولية، لكن هذه الأسباب لا بد وأن تنشأ عن مناسبات خاصة للحالة: فإما أن تكون الحالة بحيث يمكن للفرد أن يتصرف بشكل أفضل عمومًا حين يُترك لحكمه الخاص بدلًا أن يتمّ التحكم فيه عن طريق المجتمع بأي وسيلة في سلطتهم؛ أو أن تكون الحالة بحيث أن محاولة التحكم ستنتج شرًا أعظم مما تمنع. حين تتسبب هذه الأسباب في منع فرض المسؤولية، فيتوجّب على ضمير الفرد نفسه أن يتخذ خطوة لمقعد الحكم الخالي، وأن يحمي مصالح الآخرين الذين لا يملكون حماية خارجية وقتها. ولا بدّ أن يحكم على نفسه بشكل أكثر صلابة؛ فالحالة لا تسمح بأن يكون مسؤولًا تحت حكم غيره من البشر.

لكن هناك مجال للعمل بحيث لا يمتلك المجتمع (بكونه متباينًا عن الفرد) إلا مصالح غير مباشرة (إن امتلك أي مصالحٍ). يكون المجتمع عندئذ مدركًا لكل ذلك الجزء من حياة الإنسان وسلوكه الذي لا يؤثران إلا على ذاته؛ وإذا ما أثرا على المجتمع، فيكون ذلك التأثير بإرادة وطواعية والموافقة الصادقة ومشاركة المجتمع. وحين أقول “إلا على ذاته” أعني بطريقة مباشرة، وفي الحالة الأولى: لأن كل ما يؤثر على ذاته قد يؤثر على الآخرين من خلال ذاته. وسأردّ في ما يلي على الاعتراض الذي ربما ينشأ بسبب هذا الاحتمال المذكور. هنا إذن تكمن المساحة المناسبة للحرية الإنسانية. فالحرية تشمل أولًا النطاق الداخلي للضمير، بحيث تستوجب حريةَ الضمير بأشمل معانيه، وتستوجب كذلك حرية الفكر والشعور، والحرية المطلقة للرأي والأحاسيس في كل الأمور العملية أو التصورية أو العلمية أو الأخلاقية أو الدينية. حرية التعبير عن الرأي ونشر الآراء ربما تندرج تحت مبدأ آخر، بحكم أنها تنتمي لجزءٍ من سلوك الفرد الذي يؤثر على الآخرين. لكن لا يمكن فصلها عن حرية الفكر عمليًا، وقد تكون بأهميتها، وتستندُ على ذات العلل. ثانيًا، يتطلب المبدأ حرية الأذواق والغايات؛ أيْ حريةَ أن يخطط الإنسان لحياته بما يناسب شخصيته، والتصرف كما يعجبنا وأن نكون عرضةً لعواقب ذلك بدون إعاقة أبناء جلدتنا طالما يكون ما نفعله غير مؤذٍ لهم (حتى وإن اعتقدوا أن ما نفعله غباء أو شذوذًا أو خطأ). ثالثًا، عن طريق هذه الحرية تنشأ (بنفس الحدود) حرية التوليف بين الأفراد؛ أي الحرية بالتجمع لأي غرض لا يتضمن الأذى للآخرين. ولا بد أن يكون الأشخاص المتجمعين في سنّ الرشد، وألا يكونوا مجبرين أو مخدوعين.

المجتمع الذي لا يتم فيه احترام كل هذه الحريات هو مجتمع غير حر، مهما كان نوع الحكومة فيه. والمجتمع الذي لا توجد فيه هذه الحريات بشكلٍ مطلق وقاطع هو مجتمع ليس حرًا بشكلٍ كامل. الحرية الوحيدة التي تستحق اسم “الحرية” هي حرية ممارسة ما فيه خير لنا بطريقتنا الخاصة طالما لا نحرم أحدًا من خيراته أو نعيق أحدًا عن الحصول عليها. كل فردٍ حارسٌ مناسب لصحته، سواء كانت جسدية أو عقلية أو روحية. تكون البشرية المستفيد الأكبر حين يعيش الجميع بالطريقة التي يرون فيها خيرهم بدلًا من أن يعيش الفرد مجبرًا بما يراه الآخرون من خير.

وعلى الرغم أن هذا المعتقد ليس جديدًا (وقد يحملُ لبعض الأفراد نسماتٍ من البداهة)، فليس هناك أي معتقدٌ مثله يتحدى مباشرةً الميول العامة للآراء والممارسات القائمة. استهلك المجتمع كل جهوده في محاولة إجبار الناس على التواؤم مع أفكاره (حسبما يرى) فيما يتعلق بالتميز الفردي والاجتماعي. كانت الأمم السابقة تعتقد أنها مؤهلة (بتأييد الفلاسفة القدماء) لتنظيم كل جزء من السلوك الخاص عبر السلطة العامة؛ وذلك بالاستناد على أن للدولة مصلحة كبيرة في الانتظام الجسدي والعقلي لكل من مواطنيه. هذا النمط من التفكير لربما كان مسموحًا به في الدول الصغيرة المحاطة بأعداء أقوياء، بحيث تكون الدول الصغيرة في حالة تأهب مستمرة للغزو الأجنبي أو البلبلة الداخلية (حتى الفترات القصيرة من إطلاق العنان للطاقات والحكم الذاتي قد تكون مميتة)، وذلك يجعلها لا تستطيع تكلّف انتظار الآثار الدائمة المفيدة للحرية. في العالم الحديث، تمكنت المجتمعات السياسية بسبب حجمها الهائل وبسبب فصل السلطتين الروحية والدنيوية (أي حين صارت إدارة شؤون الأفراد الروحية بيد أناس مختلفين عمّن يديرون شؤونهم الدنيوية) من منع تدخلات كبيرة للقانون في تفاصيل الحياة الخاصة. لكن محركات القمع الأخلاقي مورستْ ضد الخروج عن الرأي السائد في أهمية الذات بشكلٍ أكبر مما مورستْ به في الشؤون الاجتماعية. إن الدين أكبر العوامل التي دخلت في تكوين الحس الأخلاقي، ولطالما كان محكومًا إما بيد الكهنوت (الساعين للتحكم بكلّ ما يتعلق بسلوك الفرد) أو بيد الروح المتزمتة. وبعض هؤلاء الإصلاحيين الحديثين وضعوا أنفسهم في موقفٍ معادٍ بقوة للأديان الماضية، ولم ينخرطوا في أي كنيسة أو مذهب في محاولتهم إثبات حق الهيمنة الروحية. أوغست كومتي بالتحديد في منظومته الاجتماعية (والذي تحدث عنها في كتابه Traite de Politique Positive) يهدف لتأسيس استبداد المجتمع على الفرد، وذلك يتخطى كل تأمل في المثال السياسي عند أكثر الفلاسفة القدماء صرامة (حتى وإن كان كومت يؤسس له على تطبيقات أخلاقية وليس قانونية).

وبعيدًا عن هذه المعتقدات الغريبة لبعض الأفراد المفكرين، هناك في العالم ميلٌ متزايد كثيرًا لتوسيع سلطة المجتمع على الفرد بإفراط، سواء بقوة فرض الرأي أو بقوة القانون. تميل التغييرات في هذا العالم لتقوية المجتمع والتقليل من سلطة الفرد، لكن هذا التجاوز ليس من الشرور التي تميل للاختفاء؛ بل على العكس من ذلك، فهي تأخذ في الازدياد والصعوبة. نزعة البشرية (سواء كحكام أو كمواطنين) لفرض آرائهم وميولهم كقاعدة سلوكية للآخرين أمرٌ يدعمه بقوة أفضل (وأسوأ) الأحاسيس الحادثة للطبيعة البشرية، ومن الصعب إخضاعها لأي قيدٍ سوى الرغبة في السلطة. وبما أن السلطة غير آخذة في التراجع، بل آخذة في النمو، فبعدم تواجد حاجز أخلاقي مقنع يمكن رفعه في وجه الأذى، فعلينا أن نتوقع أن ظروف العالم الحالية ستأخذ في الازدياد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s