تأملات في الدين (٢) – فولتير

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

تأملات في الدين (٢) – فولتير

فولتير
فولتير

المذهب

إنّ كل مذهبٍ (من أيّ نوعٍ كان) نقطةُ تجمّعٍ للشك والضلال. السكوتيّون، التومسيّون، الواقعيّون، الإسمانيّون، البابويّون، الكالفنيّون، المولينيّون والجانسينيّون؛ كل هذا تسمياتٌ غير حقيقية.

ليس هناك مذاهب في الهندسة. لا نسمعُ أحدًا يتحدّث عن الإقليديين أو الأرخميديين. حين تكون الحقيقة واضحةً فمن المستحيل على الفِرَق والأحزاب أن تنشأ. لم يكن هناك يومًا ما جدلٌ حول وجود ضوء الشّمس في منتصف النّهار أم لا. وفي علم الفلك، وقتما تمّ تحديد مسار النّجوم وأوقات الخسوف وصارت هذه الأمور معروفة، فلن يكون هناك جدلٌ بين الفلكيين.

في إنجلترا لا يقول أحد: “أنا نيوتنيّ ولوكيّ وهاليّ.” ولماذا؟ لأنه ليس بوسع الذين قرؤوا للثلاثة العظماء إلا أن يذعنوا للحقائق التي يعلّمها هؤلاء الرجال. كلّما زاد تبجيل نيوتن قلّ أن يُكنّي الناس أنفسهم بأنهم نيوتنيّون. هذه الكلمة تفترض أن هناك ضدٌّ لنيوتن في إنجلترا. ربّما لا يزال هناك القليل من الديكارتيين في فرنسا، ولكن ذلك فقط لكون نظام ديكارت نسيجًا من التأمّلات المغلوطة والساذجة.

والأمر سيّان حتى مع العدد القليل للحقائق الصغيرة الراسخة. سجلّات برج لندن جمعها رايمر وأثبت أصالتها؛ لكن ليس هناك رايمريّون لأنّه لا يخطر على بال أحدٍ أن يُهاجم هذه الحقيقة. ففيها لا يجد الفرد أي تناقضاتٍ أو توافه أو معجزات، وليس فيها من ينفّر العقل؛ ونتيجةً لذلك فليس فيها أي شيءٍ يسعى المذهبيّون لإثباته أو إبطاله بجدالاتهم التافهة. الكلّ يجمع إذن على كون سجلّات رايمر أهلًا للثقة.

أنت محمّدي؛ هذا يعني أنّ هناك أناسٌ ليسوا كذلك، ولذا فمن الممكن أن تكون فعلًا على خطأ.

لو أنّ المسيحية لم توجدْ، فما الديانة التي ستكون صحيحة؟ إنها الديانة التي لا مذاهب فيها؛ الديانة التي تُجمع عليها بالضرورة كل الألباب.

إذن ما هي العقيدة التي تُجمع عليها كل الألباب؟ إنها عبادة الرّب والإخلاص. كل فلاسفة العالم الذين امتلكوا دينًا قالوا في كل العصور: “هناك رب، وهذا الرب عادل.” هنا إذن ديانة عالميّة راسخة في كل العصور وعبر البشرية. والنقطة التي يُجمعون عليها صحيحةٌ إذن، وجميع الأنظمة التي يختلفون من خلالها ستكون خاطئة.

“مذهبي هو الأفضل” يقول البراهمانيّ لي. لكن يا صديقي إذا كان مذهبكَ جيّداً فحتمًا هو ضروري؛ فلولا كونه ضروريًا بشكلٍ مطلق لأذعنت بكونه غير مجدٍ. ولو أنّه ضروري لكان كذلك لكل الأفراد. كيف يُمكن إذن ألّا يمتلك كل الأفراد ما هو ضروري لهم؟ كيف يمكن لبقية العالم أن يسخروا منك ومن البراهما الخاص بك؟

حين يقول زرادشت وهرمز وأورفيوس ومينوس وكلّ الرجال العظام: “دعونا نعبد الرب ودعونا نكن عادلين” لا أحد يهزأ، لكن الجميع يهزأ بالذي يدّعي أنه لا يمكن لأي فرد إرضاء الرّب إلا بحمل ذيل بقرةٍ في موته، أو يهزؤون بالذي يقدّس التماسيح والبصل، أو بالذي يربط الخلود بحمل عظام الموتى تحت اللباس، أو بالذي يربط بين الخلود وصكوك النجاة المطلقة التي يمكن شراؤها من روما مقابل ٢ سو* ونصف.

من أين تأتي هذه المنافسة العالمية في الاستهجان والازدراء لأحد أطراف العالم من قِبَل الطرف الآخر؟ من الواضح أن الأمور التي يهزأ منها الجميع ليست صحيحةً بشكلٍ جليّ. ماذا سنقول عن أحد سكرتاريّة سيجانوس الذي أهدى لبترونيوس كتابًا منمّقًا عنوانه: “حقائق نبوءات العرّافين المثبتة بالوقائع”؟

يثبت هذا السكرتير لك أنه من الضروري أولًا للرب أن يرسل للأرض بضع عرافين واحدًا تلو الآخر لأنّه لا يملك وسائل بديلة لتعليم البشرية. ويستعرض كيف أن الرب تحدّث لهؤلاء العرافين؛ فكلمة عرّاف** تعني مستشار الرب. وقد كان من اللازم لهؤلاء العرّافين أن يعيشوا زمنًا طويلًا، فلا بدّ على الرّب أن يختصَ من يخاطبهم بهذه الميزة على الأقل. وقد تنبؤوا حتمًا بكل أحداث العالم، فتاركينوس سوبيربس اشترى ثلاثة من كتبهم من امرأةٍ عجوز مقابل ثلاثمئة قطعةٍ فضية. ويضيف السكرتير: “من هو المرتاب الذي يجرؤ على إنكار أي من هذه الحقائق الواضحة التي وقعت على مرأى من العالم كله؟ من ينكر تحقق كل تلك النبوءات؟ ألم يقتبس فيرجل نفسه نبوءات العرافين؟ إن لم نمتلك نسخًا أصلية من كتب العرافين التي كُتبت في زمن لا يعرف الناس فيه القراءة والكتابة، ألسنا نمتلك -على الرغم من ذلك- نسخًا أصيلة؟ على المعصية أن تصمت أمام هذه الحقائق الدامغة.” هكذا قال هوتيفيلوس لسيجانوس، وقد أمل من وراء قوله أن يحصلُ على منصب الكاهن، وذلك كان سيكسبه مدخولًا مقداره خمسين ألف فرنك، لكنّه لم ينل شيئًا.

“أعترفُ بأنّ تعاليم مذهبي غامضة” يقول أحد المتعصّبين؛ لكن هذا الغموض هو الداعي وراء تصديقها. المذهب نفسه يقول أنّه مليء بالأمور الغامضة. بما أنّ مذهبي متطرّف، فحتمًا هو إلهي؛ إذ كيف يُمكن أن يعتنق النّاس ما يبدو أنّه جنونٌ لولا كونُه إلهيًا؟ ينطبقُ الأمر بحذافيره على القرآن الذي يقول عنه السنّي أنه يمتلك وجه ملاكٍ وخطم حيوان؛ فلا يُضلّنك خطم الحيوان واعبد وجه الملاك. هكذا قال المتعصّب المجنون. لكنّ متعصّبًا من مذهب آخر يقول: “أنت الحيوان، وأنا الملاك.”

حسنًا، من هو الحكم في هذه الحالة؟ من الذي يحكم بين هذين المتعصّبين؟ بالضبع سيحكم الرّجل العقلانيّ غير المتحيّز، والذي يمتلك معرفةً لا تقتصر على الكلمات، هذا الرّجل المتحرر من التحامل والعاشق للحقيقة والعدالة. وباختصار: هو الرّجل الذي ليس بالحيوان الأحمق ولا الذي يعتقد أنّه ملاك.

المذهب والضلال مترادفان. أنت أرسطيّ وأنا أفلاطونيّ، ولذا فكلانا على خطأ؛ أنت تُحارب أفلاطون لمجرّد كون خيالاته منفّرةً بالنسبة لك، بينما أنا بعيدٌ عن أرسطو لأنه يبدو لي كمن يجهل عمّ يتكلم. ولو عرضت الحقيقة لأحدٍ منا، فذلك يعني اختفاء المذهبية. أن يتبنّى الفرد رأيًا أو آخر يعني أن يتّخذ جانبًا في حرب أهلية. لا توجد هناك مذاهب في الرياضيات أو الفيزياء التجريبية. الفرد الذي يبحث العلاقات بين المخروط والجسم الكرويّ لا يتبع مذهب أرخميدس، والذي يرى أن مربّع وتر المثلث قائم الزاوية يساوي مربّع الضلعين الآخرين لا يتبع مذهب فيثاغورس.

حين تقول أن الدم يجري في الجسم، وأن الهواء له ثقل، وأن أشعة الشمس عبارةٌ عن حزمةٍ من سبعة أشعة قابلة للانكسار، فأنت لا تتبع مذهب هارفي ولا توريسيللي ولا نيوتن؛ أنت توافق الحقيقة التي عرضت لهم وحسب، وكل العالم سيوافقك كذلك.

هذه هي خاصية الحقيقة، فهي صالحة لكل الأزمان ولكل الأفراد، ووقتما ظهرت تمّ تمييزها، ولا يستطيع الفرد وقتها المحاججة ضدّها. الجدل الطويل لا يعني سوى أن كلا الفريقين على خطأ.

الخرافة

الفرد الذي يؤمن للخرافة بالنسبة للمحتال هو مثل العبد بالنسبة للطاغية. بالإضافة لذلك، فالفرد المؤمن بالخرافة يحكمه التعصّب ويُصبح متعصّبًا. الخرافة وُلدت في زمن الوثنية، ثم تبنّتها اليهودية، ثم تم توظيفها من قبل الكنيسة المسيحية منذ نشأتها. كل آباء الكنيسة بلا استثناء آمنوا بقوى السحر. ولطالما أدانت الكنيسة السحر، لكنّها دائمًا ما آمنت به. الكنيسة لم تطرد السحرة لأنّهم مجانين واهمون، بل طردتهم كأفرادٍ كانوا فعلًا على اتصالٍ مع الشيطان.

اليوم نصف أوروبا تعتقد أن النصف الآخر كان ولا زال واقعًا تحت تأثير الخرافة. يعتبر البروتستانتيّون الآثار وصكوك الغفران والغنغرينا والدعاء للموتى والماء المقدس (وكل شعائر الكنيسة الرومانية تقريبًا) أدلةً على ما تؤدي له الخرافة من جنون. فبالنسبة لهم، تتكوّن الخرافة حين يتم اعتبار الممارسات غير المجدية على أنها ممارسات ضرورية. وبين الرومان الكالثوليكيين هناك من هم متنوّرون أكثر من أسلافهم، وقد نبذوا العديد من الأعمال التي كانت تُعتبر مقدّسة في الماضي، ودافعوا عن أنفسهم ضد المحافظين عليها قائلين: “إنها ممارسات غير مهمّة، وما هو غير مهم لا يمكن أن يكون شرًا.”

من الصعب تقرير حدود الخرافة. الفرنسي الذي يسافر لإيطاليا يرى كلّ شيء تقريبًا على أنه خرافة، وهو محق في ذلك. مطران مدينة كانتربري يعتبر مطران باريس واهمًا، والمشيخيَون يوجّهون التهمة ذاتها لمطران كانتربري، وفي نفس الوقت يواجهون التهمة ذاتها من قبل الكويكريين الذين يعتبرهم الجميع الأكثر وقعًا تحت الخرافة.

لا نجد إذن اتفاقًا على معنى الخرافة في المجتمعات المسيحية. ويبدو أن أقلّ المذاهب من ناحية الشعائر هي أقل المذاهب تلقّيًا للتهجّمات. لكن حتى وإن كانت شعائر مذهبٍ ما قليلة، فإذا ما كان المذهبُ ملازمًا لاعتقاد تافه، فهذا الاعتقاد التافه يساوي وحده كل الممارسات الخرافية منذ زمن الساحر سايمون حتى زمن الأب جوفريدي.

من الواضح إذن أن أصول الدين عند مذهبٍ ما تُعتبر خرافةً عند مذهب آخر.

يتّهم المسلمون المجتمعات المسيحيّة بالخرافة، وهم في ذات الوقت متّهمون. من يحكم في هذا الأمر الجسيم؟ هل هو العقل؟ لكن كل مذهبٍ يعتقد أنّ العقل إلى جانبه. ولذا ستكون القوّة هي من يحكم حتى يتمكّن العقل من اختراق رؤوس كافيةٍ لتجريدها من أسلحتها.

لأي درجةٍ يمكن للحكومة أن تسمح بتدمير الخرافة؟ هذا سؤال شائكٌ جدًا. فهو كمن يسأل عن عمق الجراحة التي يحتاجها شخصً مصابً بالاستشقاء إذا ما كان من الممكن أن يموت أثناء العملية. هذا الأمر يعود لتقرير الطبيب.

هل يمكن أن يوجد شعبٌ متحرر من كل التحزّبات الخرافيّة؟ هذا السؤال مطابقٌ لسؤال: هل يمكن أن توجد دولةٌ أفرادها كلّهم فلاسفة؟ يُقال أن حكومة الصين خاليةٌ من الخرافة. ومن المحتمل ألا يبقى للخرافة أثر في بعض المدن الأوروبية.

عندئذ ستمنع الحكومة الضرر الذي يلحقُ بالشعب من جراء الخرافة. والمثال الذي يرسمه هؤلاء الحكّام لا يقوم بتنوير العصابات الهمجيّة، لكنّه يقود مواطني الطبقة المتوسطة لإبقاء هذه العصابات تحت السيطرة. ربما كانت الطبقة المتوسطة حاضرة في كل المظاهرات والاعتداءات الدينية، لكن سبب هذا أن هذه الطبقات المتوسّطة كانت عصاباتٍ همجية وقتها. العقل والوقت كانا كفيلين بتغييرها. وأساليبهم اللطيفة ستُلطّف الذين ينتمون للفئة الأدنى والمتوحشة من الشعب. ولقد رأينا أمثلةً صارخةً على ذلك في أكثر من دولة. وباختصار: كلّما قلّت الخرافة قل التعصب، وكلما قلّ التعصب قلّ البؤس.

التسامح

ما هو التسامح؟ هو الخصلة الطبيعية للإنسانية. كلنا مكوّنون من الضعف والخطأ، فدعونا نلتمس العذر لأخطاء بعضنا. هذا هو قانون الطبيعة الأول.

من الواضح كونه متوحشًا ذلك الفرد الذي يضطهد فردًا آخر (وإن كان أخاه) لأنّه يختلف معه في الرأي. لا توجد أي صعوبة في إدراك ذلك. لكن كيف هو تعامل الحكومات والقضاة والأمراء لأولئك الذين يدينون بدين مختلف عنهم؟ إذا كانوا أجانب أقوياء فلا شكّ أن الحاكم سيعقد تحالفًا معهم. فرانس الأول (وهو مسيحي متعصّب) سيتحالف مع المسلمين ضد تشارلز الخامس (وهو كاثوليكي متعصب). سيمنح فرانس الأول أموالًا للوثريين في ألمانيا لدعم ثورتهم ضد الإمبراطور، لكن بحكم العادة سيبدأ بحرقهم في دولته. أسبابٌ سياسية وراء كونه سخيّ العطاء تجاههم في ساكسونيا، ولأسبابٍ سياسية أيضًا سيحرقهم في باريس. لكن ماذا يحدث؟ إن الاضطهاد يُنتج المرتدّين. وقريبًا ستكون فرنسا مليئةً بالبروتستانتيين. سيدعُ البروتستانتيون الشنقَ يطالهم في البداية، لكن لاحقًا هم من سيقومون بالشنق. ستكون هناك حروبٌ أهلية، ثم ستأتي عشية يوم القديس بارثولوميو فتصبح هذه الزاوية أسوأ من كل ما قيل عن الجحيم قديمًا وحديثًا.

يا لهم من مجانين لم يستطيعوا عبادة الرب الذي خلقك! يا لهم من فجرةٍ لم يقتدوا بالصينيين والفرس والحكماء! يا لهم من وحوشٌ يحتاجون للخرافة مثلما تحتاج حويصلة الغراب للجيفة! قيل سابقًا ولا بد أن يُقال مجددًا: إذا كان هناك دينان على أرضك، فسيقطعان رقاب بعضهما؛ لكن إذا كان هناك ثلاثون دينًا، فسيقيمون بسلام. انظر للتركي العظيم؛ فهو يحكم قبرص وبانيانز*** ومسيحيي اليونان والنسطوريين والروم. وأول من يحاول إثار الجلبة منهم سيموت، والكل سيعيش في سلام.

من بين كل الأديان، لا شكّ أنه من المفترض على المسيحية أن تكون ملهمةً للتسامح، على الرغم من أن المسيحيين حتى الآن هم الأقل تسامحًا. انقسمت الكنيسة المسيحية في مهدها، وانقسمت بشكلٍ أكبر في زمن الاضطهادات التي قام بها الأباطرة الأولين. وغالبًا ما تم اعتبار الشهداء على أنّهم مارقون من قِبَل أشقائهم. اختفت الكنيسة الكاربوكرانتيّة بفعل سيوف جلاوزة الرومان، وطُردت أيضًا على يد المسيحيين الإبيونيين (في نفس الوقت الذي كان الإبيونون فيه لعنة على السابليين). هذه الفتنة العظيمة التي دامت لقرون طويلة تعطينا درسًا صارخًا في وجوب التماس العذر لأخطاء بعضنا. الفتنة هي مرض الإنسانية الأعظم، والتسامح هو العلاج الوحيد لها.

لا يوجد هناك من لا يتفق مع الحقيقة، سواءً كان يتأملها بجدية في حجرته أو يعاينها بسلام مع أصدقائه. لم إذن نجد هؤلاء الأفراد الذين يدعون للغفران واللطف والعدالة ثم يخرجون بشكلٍ عكسي أمام العامة ساخطين على هذه الفضائل؟ لماذا؟ ألا يمكن أن تكون مصلحتهم الوحيدة هو ربّهم، وأنهم يضحّون بكل شيء من أجل هذا الوحش الذي يعبدونه؟

أمتلك كرامة وقوة مبنيةً على الجهل والتفاهة، أسير على رؤوس الأفراد المتمددين أسفل قدميّ. وإذا ما استعلوا ونظروا إلى وجهي أضيع؛ ولا أبد أن أقيّدهم للأرض بقيود حديدية. هذا هو منطق الأفراد الذين جعلتهم عقود مستمرة من التعصب أقوياء. هم لديهم رجالٌ آخرون أقوياء تحت أرجلهم، وهؤلاء الرجال يمتلكون آخرين تحتهم، كلّهم يغذّون أنفسهم بخيرات الفقراء ويسمنون من شرب دمائهم ويضحكون على غبائهم. كلهم يحتقرون التسامح بالقدر الذي صيّر الحزبيين أغنياء بسبب خوف العامة من محاسبتهم، وبالقدر الذي يخاف فيه الطغاة من كلمة الحرية. وعندئذ يتوّجون ذلك بتوظيف المتعصبين كي يصرخون بأعلى أصواتهم: “احترموا تفاهات أسيادي، ارتجفوا وادفعوا وأبقوا أفواهكم مغلقة.”

هكذا تم التعامل مع جزءٍ كبير من العالم لمدة طويلة. لكن اليوم زمام القوى تتقاسمه عدة من المذاهب. ماذا نفعل لهم؟ كل مذهبٍ، كما يعلم كلّ منا، أرضٌ خصبةٌ للخطأ؛ ليس هناك مذاهب في الهندسة ولا الجبر ولا الرياضيات لأن كل الافتراضات فيها صحيحة. وفي كل مجال معرفي آخر يمكن للفرد أن يكون مخدوعًا. من هو التومسيّ أو السكوتيّ الذي يجرؤ على القول بجد أنه متأكد من دعواه؟

لو كان مسموحًا أن يتم التفكير في الأمور الدينية بعقلانيّة، سيتضح لنا جميعًا أنه يجب علينا أن نصبح يهودًا؛ فمخلّصنا المسيح وُلِد يهوديًا، وعاش يهوديًا، ومات يهوديًا، وقال بصراحة أنه يؤدي ويحقق نبوءة الديانة اليهودية. لكن من الواضح أكثر أنه يجب علينا أن نكون متسامحين مع بعضنا البعض، فكلنا ضعفاء ومتقلّبون ومعرضون للتحولات والخطأ. هل يُفترض بنبتة القصب المطروحة أرضًا بفعل الرياح أن تقول لرفيقتها على الجانب الآخر: “ازحفي كما أزحفُ أنا أيتها الوضيعة وإلا دعوتُ أن يتمّ قلعك من جذورك وحرقك”؟

—————-

*سو = sous، عملة فرنسية قديمة

** عرّاف = sibyl، لم أجد ترجمة دقيقة لها

*** بانيانز = Banians، لم أقع على ترجمتها

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s