تأمّلات في الدين (١) – فولتير

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

تأملات في الدين (١) – فولتير

فولتير
فولتير

الكهنوت الكنسيّ

مؤسسة الدين موجودةٌ فقط لأجل إبقاء البشريّة تحت النّظام ولجعل الأفراد يستحقّون خيرات الإله عبر فضائلهم. كلّ ما لا يهدف لهذه الغاية في الدين يُعتبر أمرًا غريبًا وخطيرًا.

الوسائل الوحيدة التي يُمكن للإكليروسيين استخدامُها لجعل الأفراد مستقيمين في هذه الحياة وسعداء في الخلود هي التعاليم والمواعظ والتذكير بعذاب الآخرة والوعود بالسعادة الأبدية، بالإضافة للصلوات والنصائح والنّجدة الروحيّة. كل الوسائل الأخرى تُعارضُ حريةَ العقلِ وطبيعةَ الروح وحقوقَ الضمير الراسخة وجوهرَ الدين والكهنوتَ الكنسي وحقوقَ الحاكم.

الفضيلةُ تستلزمُ الحرّيةَ مثلما أنّ حمل ثقلٍ ما يستلزمُ وجود قوّةٍ فاعلة. تحت الإكراه ليستْ هناك أيّ فضيلة؛ وبدون الفضيلة ليس هناك أي دين. اجعلني عبدًا [بالإكراه]، ذلك لن يجعلني عبدًا أفضل. بل حتّى الحاكمُ لا يمتلكُ حقّ إكراه النّاس وتوجيههم للدين؛ فالدّين بطبيعته يستلزمُ الاختيار والحرّية. أفكاري ليستْ خاضعةً لأيّ سلطانٍ بقدرٍ أكبر من خضوع المرض أو الصحّة.

ومن أجل الفكاك من كلّ التناقضات التي تعجّ بها كتب الشريعة الكنسيّة، ومن أجل توضيح أفكارنا حول الكهنوت الكنسيّ، دعونا نستكشف ماهيّة الكنيسة وسط آلاف الالتباسات.

الكنيسة هي تجمّعٌ لكلّ المؤمنين المدعوون للصلاة جماعةً في أيام مُعينة، والمدعوون للتّصرف بصلاحٍ في كل الأوقات.

القساوسة هم الأشخاص الذين عيّنهم الحاكم من أجل إدارة الصلوات وكلّ العبادات الدينية.

لا يُمكن أن توجد كنيسةٌ كبيرةٌ بدون الإكليروسيين، لكنّ هؤلاء الإكليروسيين ليسوا هم الكنيسة.

هؤلاء الإكليروسيين جزءٌ من المجتمع المدني، ولذلك فإنّهم إذا ما حازوا حقوقًا يُمكن أن تتسبب في مشاكل بالمُجتمع أو تؤدي لهدمه، فمن البديهيّ أن هذه الحقوق لا بُدّ أن تُكبح.

وبديهيٌّ بشكلٍ أكبر أن الإله إذا مَنَح للكنيسة حقوقًا أو امتيازاتٍ، فإنّ أيًّا من هذه الحقوق والامتيازات لا تكون حصرًا على رئيس الكنيسة أو الإكليروسيين؛ لأنّهم ليسوا هم الكنيسة، مثلما أنّ القضاةَ ليسوا هم الحكّام سواءً في دولةٍ ديموقراطيّة أو ملكيّة.

وأخيرًا، من البديهي تمامًا أن أرواحنا هي التي تكون خاضعةً لعناية رجال الدين، وذلك يقتصر على الأمور الروحانيّة وحسب.

أرواحنا تعملُ باطنيًا. الأفعال الباطنيّة هي التفكير والإرادة والميول والخضوع لحقائق معيّنة. كل هذه الأفعال فوقَ الإكراه، وهي ضمن نطاق الكاهن الكنسيّ بقدر ما يلتزم بالنّصح، وليس إعطاء الأوامر.

الأرواح أيضًا تعملُ خارجيًا. الأفعال الخارجية خاضعةٌ للقانون المدني. هنا يمكن للإكراه أنّ يلعب دورًا؛ فالعقوبات الوقتيّة أو البدنيّة تُحافظ على القانون عن طريق مُعاقبة منتهكيه.

الخضوع للأنظمة الكنسيّة لا بدّ أن يكون ناتجًا عن حرية واختيار، ولا يمكن السماح بغير ذلك. وعلى الجانب الآخر، فالخضوع للقانون المدني يُمكن أن يكون إلزاميًا ومفروضًا.

ولذات السبب، فالعقوبات الكنسيّة (وهي روحانيّة دائمًا) تطال فقط أولئك المُقتنعين في داخل أنفسهم بخطيئتهم. وعلى الجانب الآخر، فالعقوبات المدنية والآلام الجسديّة لها آثارُها المحسوسة، بغض النظر عمّا إذا أدرك مرتكبوها العدالة من ورائها.

ومن هذا ينتج جليًّا أن سُلطة رجال الدين لا يُمكن أن تكون سوى سلطةٍ روحيّة، وأنّه من المفترض على رجال الدين ألا يمتلكوا أي سلطة دنيوية، وأنّ قوة الإكراه غير ملائمةٍ للكهنوت الذي سيُدمَّر أصلًا من جرّاء تلك القوة.

وينتجُ عن ذلك أيضًا أنّ الحاكم الحريص على ألّا يُعاني من اقتسام السّلطة يجبُ ألّا يسمح بأي مشروعٍ يضعُ أعضاءَ المُجتمع في تبعيّة خارجيّة ومدنيّة للمجلس الإكليروسي.

هذه هي المبادئ الحقيقيّة والتي لا جدال فيها للشريعة الكنسيّة؛ ففيها تكون القوانين والقرارات محكومةً دائمًا بحقائق خارجيّةٍ ثابتةٍ مبنيّةٍ على القوانين الطبيعية والنظام الضروري للمجتمع.

العصبيّة الدينية

التعصّب بالنسبة للخرافة هو مثل الهذيان بالنّسبة للحمَى أو الانفعال بالنسبة للغضب. الفردُ الذي يحضره الوجد والرؤى، والذي يتّخذ من أحلامِه حقائقَ ورغباتِه نبوءاتٍ لهو فعلًا حماسيّ؛ الفرد الذي يدعم غضبه بالقتل فهو متعصّب. جان دياز أثناء عزلته في نورمبرغ كان مُقتنعًا بشدة أنّ البابا هو المسيح الدجّال في سفر الرؤيا، وبأنّه يحمل علامة ذلك الوحش؛ فقد كان دياز مجرّد حماسيّ. أمّا أخوه، بارثولومو دياز الذي جاء من روما لاغتيال أخيه بدافع التقوى (وقد قام فعلًا بقتله حبًا في الإله) فقد كان واحدًا من أكثر المتعصبين الذين تربّوا في كنف الخُرافة بشاعةً.

بوليوكتي، والذي يذهب للمعبد في العُطل الاحتفاليّة لإسقاط وتحطيم التماثيل والزخارف، مُتعصبٌ بشكلٍ أقلّ حدةً من دياز، لكن تعصّبه ليس أقلَ سخافةً. قاتلو الدوق فرانسوا دي غيز وويليام أمير أورانج والملك هنري الثالث والملك هنري الرابع والكثيرون غيرهم كانوا مُتعصّبين ومصابين بذات الجنون الذي أُصيب به دياز.

وأكثر الأمثلة فظاعةً على التعصّب كان مثال سكّان باريس؛ حيث مضوا في ليلة القديس بارثولومو وجالوا الشّوارع يقتلون ويذبحون أشقاءهم المواطنين الذين لم يذهبوا للقداس، رامين إيّاهم من النافذة ومقطّعيهم إربًا إربًا.

هناك مُتعصّبون باردو الأعصاب، كالقضاة الذين يحكمون بالموت لمن لم يرتكب جريمةً أكثر من كونه لم يُفكّر مثلهم. هؤلاء القضاة مذنبون أكثر ومستحقّون للَعَنَات الإنسانيّة لأنهم، على عكس كليمنت وتشال ورافايلاك داميينز، لم يكونوا يعانون من نوباتٍ جنونيّة. فمن المؤكد أنّهم ينبغي كونهم قادرين على الاستماع لصوت العقل.

وقتما أفسدت العصبيّة عقلًا، فإن هذا الاضطراب لا علاج له غالبًا. رأيتُ المتشنّجين أثناء حديثهم عن معجزات القدّيس باريس يتحوّلون تدريجيًّا لأفراد هائجين بالرّغم من أنفسهم: تتّقد أعينهم، ترتجفُ أطرافهمُ، يمسخُ الجنون وجوههم، وقد كانوا سيقتلون كلّ من يُناقضهم.

العلاجُ الوحيد لهذا الاضطراب الوبائيّ هو الروح الفلسفيّة؛ وهي تنتشرُ تدريجيًا وتروّض عادات الأفراد وتمنع المرض من الانطلاق. ووقتما أحرز المرض تقدّمًا، فلا بدّ على الفرد أن يفرّ حتى تصفو الأجواءُ من تلقاءِ نفسها. القوانين والأديانُ ليستْ قويّةً بشكلٍ كافٍ ضد هذه الآفة الروحيّة. وعلى الرّغم من كون الدين غذاءً صحّيًا للعقول الملوّثة، فإنه يتحوّل لسمٍّ في أجساد هؤلاء المرضى. دائمًا ما يضعُ هؤلاء الرّجال البؤساء نصب أعينهم مثال ايهود الذي قتل ملك إغلون، ومثال جوديث التي قطعتْ رأس هولوفرنس بينما كانتْ نائمةً معه، ومثال صاموئيل الذي قطّع الملك أغاغ إربًا إربًا. لا يستطيع هؤلاء إدراكَ أنّ هذه الأمثلة التي كانت تتسم بالاحترام الشديد قديمًا أصبحتْ مُستبشعةً في الحاضر؛ فهم يقتبسون جنونهم من ذات الديانة التي تُدينهم.

وحتى القانون يعجزُ عن صدّ نوبات الغضب؛ فهو كمثل قراءة أمر المحكمة لمجنونٍ يهذي. هؤلاء الزملاء متيقّنون أن الروح القدس التي تحلّ فيهم فوق القانون، ومتيقّنون بأنّ حماسهم هو القانون الوحيد الذي يجب أن يخضعوا له.

ماذا نستطيع أن نقول لرجلٍ يخبرنا أنّه يُفضّل إطاعة الرب على الإنسان، ولذا فهو على يقينٍ أنه سيدخل الجنة حين ذبحك؟

غالبًا ما يكون المجانينُ تحتَ قيادةِ الأوغادِ الذين يضعون الخناجر بأيديهم؛ هؤلاء الأخيرون يُمثّلون الرّجل العجوز في الجبال الذي يُفترض أنّه أعطى البلهاء مذاقًا لنعيم الجنان ووعدهم بالخلود في ذلك النّعيم الذي حدّثهم عنه، بشرط أن يقتلوا جميع الذين سيذكر لهم أسماءهم. هناك ديانةٌ واحدةٌ فقط لم تفسدها العصبيّة، وهي ديانة الصينيين الأدباء. ليستْ مدارس الفلسفة متحررةً من هذه الآفة وحسب، بل هي علاجها؛ تأثير الفلسفة أنّها تجعل الرّوح أكثر اطمئنانًا، والعصبيّة لا تتلاءم مع الاطمئنان. إذا ما كانتْ ديانتنا المُقدّسة قد أُفسِدتْ بفعل الاهتياجات الشيطانيّة، فإن اللوم يقعُ على جنون الأفراد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s