الانتفاع بالتاريخ – هنري ساينت جون، اللورد بولينغبروك

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

الانتفاع بالتاريخ – اللورد بويلنغبروك

اللورد بويلنغبورك

اللورد بويلنغبروك (1678-1751) أحد السياسيين والكتّاب المحافظين الذين شددوا على القيمة الأخلاقية لدراسة الماضي أكثر من غيره في عصر التنوير. فالتّاريخ بحسب عبارته فلسفةٌ تعلّمنا عبر الأمثلة. هذه المقالة مُختارة من رسائله في دراسة والانتفاع بالتاريخ، والمكتوبة في 1735م.

دراسةُ التاريخ تجعلُنا أكثر حكمةً، وتجعلنا أفرادًا أفضل ومواطنين أكثر صلاحًا. لكنّها قد تكون بلا فائدة على الإطلاق؛ فهي قد تُصيّرنا مُجرّد علماء أو خُبراء في الآثار، وربّما تساعدنا أن نُصبح مُتسرّعين أغبياء أو متحذلقين ثرثارين، وأنا أُسلّمُ بذلك. لكن هذه ليست غلطةُ التّاريخ؛ ولكي نتحقق من صحّة ذلك يكفي أن نقارن الانتفاع الحقيقي بالتّاريخ مع انتفاع هؤلاء الأفراد به. لا بدّ أن نتذكّر أنّ التاريخ فلسفةٌ تعلمنا تدبير شؤوننا الخاصّة والعامّة عبر الأمثلة التي يطرحها؛ ولذلك علينا أن نلتمسهُ بروحٍ ومقاربةٍ فلسفيّتين، وأن نسمو عن الحيثيّات للمعرفة العامّة، وأن نهيّأ أنفُسنا للمجتمع ولشؤون البشريّة عبر تعْويدِ عقولنا على التأمّل والتفكّر في الشخصيّات الموصوفة والأحداث المرتبطة. يمكن الانتفاعُ بالأمثلة الدقيقة أحيانًا فيما يتعلّق بالحالات الخاصّة، لكنّ تطبيقها أمرٌ بالغ الخطورة، ولا بدّ من الإتيانِ بذلك باحترازٍ كبيرٍ وإلا فالنتيجة هي الفشل. رغم ذلك فإنّ الفرد قد يظنّ أن هذا هو الانتفاع الأساسي من دراسة التاريخ بسبب ما كُتب عن هذا الموضوع. ولا أدري فيما إذا كان ماكيافيللي نفسه مُتحررًا من عيوبِ هذه النّظرة؛ فأحيانًا يبدو أنّه يأخذ الانتفاع بالأمثلة الدقيقة وتطبيقها إلى مدى بعيد.

عَبَرَ ماريوس وكاتولوس جبال الألب، وتقابلا مع الكيمبريين وراء حدود إيطاليا وهزماهم هناك. هل يمكننا إذن أن نستنتج أنّ الشعوب المُحتلّة لا بدّ أن تُقابل الغازي وتُقاتله على مسافةٍ من حدودها متى ما تمّ احتلالها؟ هناك مُلاحظةٌ ذكرها بوالو ووضعها قاعدةً فيما يتعلّق بالترجمات، وهذه الملاحظةُ تجدُ مكانًا مُناسبًا في حديثنا، ويُمكن توظيفها من أجل شرح ما أودّ التأسيس له: “ترجمةُ ما كتبه أحد القُدماء للغة الحاضر ترجمةً ذميمةً، أي عبارةً بعبارة وكلمةً بكلمةٍ، أمرٌ مُستحيل. لا شيء أبعدُ عن العمل الأصليّ كهذه النّسخة. هذه النّسخةُ لا تُظهر الكاتب العريق، بل تُخفيه؛ والذي لمْ يعرف الكاتبَ إلا عبرها فلنْ يعرفَه حقًا. وبدل أن يأخذ على عاتقه مهمّةً شائنةً ولا فائدة منها، فإنّ الكاتب الجيّد يُقلّد بدل أن يُترجم، ويُحاكي بدل أن يُقلّد؛ فهو سينقل إحساس وروح العمل الأصلي لترجمته، وسيجاهد كي يكتُبَ كما كان الكاتبُ العريقُ سيكتب لو أنّه استخدم نفس اللغة.”

على كلٍّ، فإنّ التقدّم بالأمثلة هو تقدّمٌ بالمُحاكاة. لا بدّ من أن نصطاد الروح وقتما استطعنا، وأن نؤقلم أنفٌسنا لما بالأمثلة من علل. وفيما يتعلّق بتفاصيل سلوك الرّجال الكبار والعُظماء الذين صوّرهم لنا التاريخ، فيجبُ علينا ألا ننقل سلوكهم إلى سلوكنا بطريقةٍ ذميمة، إذا سمح لي سيادتُك باستخدام هذا اللفظ. كرّس كودروس وديتشي نفسهُما للموت؛ الأوّل لأن عرّافًا تنبأ بانتصار الجيش الذي يُقتل قائده، والثّاني استجابةً لأسطورةٍ تُشابه إلى حدٍّ كبير إحدى الشعائر التي مارستها الكنيسة المصريّة قديمًا قبل أن تُضاف هي وغيرُها ذات الأصل المُشترك لطقوس الإسرائيليين.هذه أمثلةٌ لمروءةٍ كبيرة بالتّأكيد، ولمروءةٍ وُظّفت من أجل أنبل الغايات. في الأيّام الأولى للحكومتين الأثينيّة والرومانيّة، كان العرّافون يحظون بمنزلةٍ عظيمة، ووقتها كان يُعتقد أن السماء تبتهجُ بمسيل الدماء؛ ووقتها أُرهقت دماء الإنسان تحت مُسمّيات التمسيح والاسترضاء والتطهير والكفّارة والاستجابة. وقتها كان من يجعلُ نفسهُ قدوةً كهذين الاثنين يُعتبر بطلًا، إلا أنني متيقّنٌ أنّه يُعتبر مجنونًأ. حتى هذه الأمثلة يُمكن الانتفاع بها؛ فهي تُعطينا حماسًا لنُغامر بحياتنا بحريّة ونُضحّي بها في خدمة الآخرين على الأقل. وهي تُظهر لنا الدّور الذي يلعبه الخيال، وتُظهر لنا كيف أنّ أتفه الأمور، بل أسخفَها، يُمكن أن يُجيّش صدور الآلاف من النّاس بالثقة والشجاعة أو عكس ذلك وقتما تلبّس بهيبة الدين.

هناكَ مبادئ عامّة مُعيّنة وسُنن للحياة والتدبير، وهي لا بدّ أن تكون صحيحةً دائمًا لأنّها تلائم الطبيعة الثابتة للأشياء. الفردُ الذي يدرس التاريخ كما يدرس الفلسفة سيتمكّن من تمييز تلك المبادئ والسنن وجمعها بسرعة، وهو حين يفعلُ ذلك يُكوّن لنفسه منظومةً عامّةً للأخلاق والسياسات، وستكونُ هذه المنظومة ذات أساسٍ صلبٍ لأنّ مبادئها وسُننها يتمّ تقييمُها عبر العصور، ويتمّ تأكيدها من خلال الخبرة الكونيّة. قُلتُ أنّه سيُميّزها، لكن يجبُ عليّ مرّةً أخرى أن أقول: فيما يتعلّق بصيغ الأفعال المُحددة أو معايير التصرّف، فإنّه من السخف وعدم الحكمة أن يتمّ تطبيقها؛ فهذه الصيغ والمعايير استأثرتْ بها عاداتُ الدول المُختلفة وأخلاق الشّعوب المختلفة وظروف التّقديرات المُختلفة.

لكن هذا ليس كلّ شيء. يمكن للفرد الملمّ بالأجزاء أن يحسّن دراسته للتاريخ من أجل الانتفاع بالتاريخ كما يجب، ويمكن له أن يصقل بصيرته واهتمامات عقله، ويمكن له أن يقوّي ملكة حكمه وأن يحوز على ملكة وخصلة الفطنة السريعة والتطلّع للأمام، ويمكن أن يُمارس مرونةً ورسوخًا ضروريين في تدبير كل الشؤون التي تعتمدُ على التناغم أو التعارض مع الأفراد الآخرين. ويتمّ له هذا عبر التأمّل في التعدد الهائل للشخصيات والأحداث، وعبر مُعاينة التوليفات الغريبة من العلل التي تُنتج تأثيرًا واحدًا (مهما بدت تلك العلل مُختلفةً أو بعيدةً أو مُتناقضة)، وعبر مُعاينة سببٍ واحد يُفاجئُنا بإنتاج العديد من الآثار (مما بدت تلك الآثار مُختلفةً أو بعيدةً أو مُتناقضة)، وعبر تتبّع كل الدقائق والظروف التي يُتيح لنا التاريخُ تتبعها فيما يتعلّق بالشخصيات التي تلعبُ دورًا أو بسير الأحداث التي تحدد تَعَاقُب الأمور (تتبّعًا حذرًا كما لو كان أمرًا شخصيًّا وذو أهمّيةٍ حاليّة للدارس)، أو عبر المناهج التي تٌشابه ما ذكرت، كيلا أخوض في تفاصيل أكثر.

ينصحُ السيّد لوك، على ما أعتقد، بدراسة الهندسة حتّى من قِبَل أولئك الذين لا يرغبون في أن يُصبحوا مُهندسين. ويعلل ذلك بما يُمكن الاستعانة به في قضيّتنا؛ فهؤلاء الأفراد قد ينسونَ كلّ مُشكلةٍ أو حلٍّ طرحوه هم أو طرحهُ الآخرون، إلا أنّ خصلة تتبّع السلاسل الطويلة من الأفكار ستظلّ معهم، وسيتمكّنون من اختراق المتاهات السوفسطائيّة واكتشاف الحقيقة المخفيّة التي لن يعثُرَ عليها من لا يمتلكُ هذه الخصلة.

وبهذا الشّكل، ستهيؤنا دراسة التّاريخ للعمل والملاحظة. فالتّاريخ هو ذلك الكاتب العريق، والخبرة هي لغة الحاضر. نحنُ نبني أذواقنا على التّاريخ ونُترجم الأحاسيس والعلل وننقلُ الروح والقوّة، لكننا لا نُحاكي إلا فضائل محدودة من الأصل؛ نُحاكيها بما يتوافقُ مع اصطلاحاتِ لساننا، بمعنى أننا نستبدلُها بما يُساويها، وهي أبعدُ ما يكون عن نسخها بطريقةٍ ذميمة. وفي الاستنتاج، كما أنّ الخبرة ملمّةٌ بالحاضر، وكما أنّ الحاضر يُمكّننا من التنبؤ بالمستقبل، فكذلك التّاريخُ ملمٌّ بالماضي، وبمعرفةِ ما كان نُصبحُ أفضل في الحُكْم على ما هو كائن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s