خطاب في التفكير الحر – أنثوني كولينز

أنتوني كولنز
أنثوني كولنز

أنثوني كولنز (١٦٧٦-١٧٢٩) كان صديقًا لجون لوك وأحد المناهضين للدين في القرن الثامن عشر. هذه المقالة مُقتبسة من خطابٍ طويلٍ له عن التفكير الحرّ، وقد نُشر عام ١٧١٣م.

المواضيعُ التي يمنعُ أعداءُ التفكيرِ الحرّ الأفرادَ من حقّ التفكير فيها هي المواضيعُ التي ليس للأفرادِ حقُّ التفكير فيها وحسب؛ بل هم مُلزَمُون بإعمال فكرهم فيها. ومن الأمثلة على هذه المواضيع ما يتعلّقُ بطبيعة وصفات الإله وخلوده، وحقيقة الكُتُب المُقدّسة وسُلطانها ومَنطِقِها ومعناها. ويمكن اختصار هذه المواضيع بعبارةٍ واحدة: الأسئلة الدينيّة.

أولًا: بحَسَبِ كلام أعداء التفكير الحرّ، فإنّ امتلاكَ الرأي الصحيح في هذه المواضيع ضروريٌّ من أجل خَلاصِ الإنسان، وبالتّالي فإنّ الخطأ أو اللغط فيها سيؤدي للهلاك. لكن حيثُما كان الرأيُ الصحيح ضروريًّا، فإنّ النّاس حريصون كلّ الحرص على أن يُفكّروا بأنفسهم كوسيلةٍ أَمْثَل من أجل الوقوف على الجانب الصحيح من السؤال. فإذا لم يفكّروا بأنفسهم، فما سيتبقّى لهم هو اعتناقُ الآراء التي امتصّوها من جدّاتهم أو أمّهاتهم أو قساوستهم، أو أنّهم للأبد سيكونون مدينين للآراء العارِضة. وإذا ما اتّبعوا هذا السبيل فإنّهم سيكونون مُحقّين عن طريق المصادفة فقط، بينما باتّباع سبيل التفكير والمُعاينة فإنّهم لن يكونوا مُحقّين بمحض الصّدفة، بل سيمتلكون دليلًا على الأمور التي جعلتهم يقفون على الصواب. إلا إذا ما اعتُبر البشر حيوانات تافهة وأنّ الآراء الباطلة في معقوليّتها مساويةٌ للآراء الحصيفة حين يُتركُ الأمر لعقل وإدراك النّاس. هذه الحالةُ تستلزمُ أنّ النّاس غير مُلزمين بالتفكير في هذه الأمور؛ وتستلزمُ أيضًا أنّ الناسَ غيرُ ملزمين بالقلق حول صحّة وبطلان أي آراءٍ على الإطلاق. فلو كان الناسُ تافهين بحيث لا يُميّزون بين الحق والباطل أو لا يميّزون بين وجود الدليل وغيابه، فما هي الحجّة كي يمتلكَ النّاس أي رأيٍ على الإطلاق؟ هذا الأمرُ لا يحكمُ بضرورته إلّا أعداء التفكير الحر.

ثانيًا: إذا ما كانت الوسائل الأكيدة والأفضل للوصول للحقيقة موجودةً في التفكير الحر، فمهمّة الإنسان في أيّ رأيٍ تقع فقط في التفكير الحر. فالذي يُفكّر بحريّة يبذل ما بوسعه من أجل ألّا يُجانبَ الصواب، وبالتّالي فإنه يطبّق ما أمره به الإله الذي لا يكلّف نفسًا إلا وسعها. ولو ثبت خطؤه في أيّ أمر، فإنّه أمام الإله كمن بذل جهده وتوصّل للرأي الصحيح.

وعلى الجانب الآخر، فأخطر جرمٍ يرتكبه الإنسان بالنّسبة للآراء يقعُ في عدم تفكيره بحرّية. فالذي يكونُ مُحقًا عن طريق المصادفة (وهو يَفترِضُ كونه كذلك دون أنْ يُعملَ فكره) هو في الواقع في خطر؛ فهو لم يبذل جُهدًا ولم يُكلّف نفسًا كي يكونَ كذلك، وبالتّالي لا فضيلة في كونه محقًّا؛ بل هو في منزلةٍ واحدةٍ مع أغبى البابويين والوثنيين. فحينما يرفض النّاس أو يتجاهلون التَفكير ويتّخذونَ آراءهم كبديهيّة، فهم بذلك يُعلنون أنّهم سَيَكُونُون بابويّين أو وثنيّين لو أنّهم اتّبعوا قساوسةً بابويين أو وثنيين أو كانت جدّاتهم البابويّة أو الوثنيّة هنّ من يعلّمهم مبادئهم.

ثالثًا، إنّ الخُرافة شرٌّ يضطهد الإنسانيّة، سواءً عن طريق الوسائل التعليميّة أو مواطن الضعف الطبيعية لدى الأفراد. وما أَسْوأَ هذا الشرّ الذي تحدّثَ عنه الفلاسفةُ والشّعراءُ القدامى. يقول توللي: “إذا ما أفسحتَ مجالًا للخرافة، فستطاردك وتَبْلُوَك. وإذا ذهبتَ لنبيٍّ أو آمنتَ بالنذائر؛ إذا ضحّيتَ بأسراب الطيور أو راقبتها؛ إذا استشرتَ مُنجّمًا أو عرّافًا؛ إذا ما أبرقتْ السماء أو أرعدتْ أو نضب أيّ مكانٍ بفعل البرق أو حدث إعجازٌ مشابه (وغالبًا ما يُفترض حدوث ذلك) فكلّ طمأنينة العقل تنقشع. والنّومُ، الذي من المفترض أن يكون ملاذًا وملتجأ من كل المشاكل والاضطرابات، يقومُ بمساعدة الخرافة بزيادة تلك المشاكل والمخاوف”.

هوراس يُساوي بين الخرافة والرذيلة، وهو حين يجعلُ سعادة الإنسان في هذه الحياة كامنةً في ممارسة الفضيلة والتحرر من الخُرافة، فهو أيضًا يجعل شقاء الإنسان في ارتكابه الرذيلة وإيمانه بالخرافة. “أنتَ لستَ طمّاعًا”، يقولُ هوراس، “وهذا أمرٌ حميد، لكن هل أنت مُتحرر من كل الرذائل الأخرى كذلك؟ هل أنت مُتحرر من المطامح والغضب الزائد والخوف من الموت؟ وهل أنت فوق الخرافة بحيث تُضحكك الأحلام والمخاوف والمُعجزات والسّاحرات والأشباح والأعجوبات؟”

هذا كان وضعُ الخرافةِ عند القُدامى. لكن منذ أن باتت صغائر الأمور في هذا العالم تؤدّي إلى اللا-تسامح والإدانة (مناقضةً لكلا العقلِ والمُكاشفة) فإنّ شرّ الخُرافة قد ازداد، وصارَ الناس قابعين تحت تأثير المخاوف واللا-اطمئنان أكثر مما كانوا سابقًا.

لا يوجد أيّ علاجٍ عادل لهذا الشرّ الكوني سوى التفكير الحر. فبالتفكير الحر وحده يمكن أن نفهم علل الأحداث الحقيقيّة، وبالتّالي ندرك لا-عقلانية كل المخاوف الخرافيّة. يقول فيرجل الخالد: “سعيدٌ هو ذلك الإنسان الذي يكتشف علل الأحداث وبذلك يُشفى من كل أنواع الخوف، حتّى الموت نفسه، وكل ضجيج وعجيج جهنّم”. فبالتفكير الحرّ وحده يتمكن الناسُ من معرفة أنّ وجودًا كاملًا وعادلًا وحكيمًا وقويًّا خَلَقَ هذا العالم وحَكَمَه؛ ومن هذا المبدأ يعرف النّاس أنّ هذا الوجود لا يطلبُ منهم في أي مكانٍ أو ظروفٍ سوى ما وهبهم إيّاه من فرصةٍ للاقتناع بالدليل والعقل في الظروف التي ولدوا فيها أو هيأتها لهم المُصادفة.

ولا يمتلكُ الرجل الصالحُ والعقلانيّ سببًا حقيقيًّا من أجل أن يهابَ أيّ شيءٍ من الإله، بل على العكس من ذلك؛ فهو مُغتبطٌ وراضٍ بالإيمان بوجود الإله، وأَهْوَنُ عليه أن يعتقد بعدم وجوده على أن يهابَ شيئًا منه. وأخيرًا، فإنّ هذا الإله الذي لا تطاله الزّيادة ولا النّقصان في جبروته أو رضاه لا يريدُ شيئًا من النّاس لأجل ذاته، بل يريده لأجلهم. وبالتّالي فإن جميع الأعمال والتّصورات التي لا تستفيدُ منها البشريّة (كالرّقص والغناء أو الالتزام بالعادات أو ترصّد الأيام أو الأكل أو الشرب أو ذبح البهائم —كما اعتاد الوثنيّون— أو الاعتقاد في الاستحالة أو الحلول أو أي مُعتقد تعلّمه كنيسة إنجلترا) إمّا أنها لا تعني أيّ شيءٍ بالنسبة للإله أو أنّها تُسخطه، لكنّها لا يمكن أن تجعل إنسانًا ما أكثر قبولًا عندهُ بسببها.

ومن خلال كلّ هذا، يُمكن للإنسان أن يمتلك زمام روحه بسلامٍ بحيث يتمتّع بكل ما أنعم به الإله عليه دون أن يخاف الشقاء أو الشرّ على يديه مستقبلًا. وأسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يكون مخدوعًا بطيب العيش.

وفي المقابل، فإنّ المؤمنين بالخرافة غيرُ قادرين على الإيمان بإلهٍ عادلٍ وكريم. فهم يجعلونه يتكلّم للبشرية من الزوايا، وبالتّالي يطلبُ من الأفراد أمورًا تحت تهديد العقوبة في العالم الآخر، ولا يتمكّن الناسُ من امتلاك أي دليلٍ مقنع للتصديق بأنّ هذه الأمور جاءت فعلًا من الإله. فهؤلاء الذين يساوون بين كلّ المخلوقات الأرضية، يجعلون الإله يُفاضل بين الأمم والشعوب بدون أي اعتبارٍ للفضيلة. ويجعلونه يُلحق الأذى بأممٍ دون أن تكون قد ارتكبتْ أي خطيئة. وبالأحرى أن يتمّ تسمية هؤلاء بالشّياطين بدلًا من تسميتهم بالمؤمنين. فلا عجب إذن أن يكون الوضيعون مليئون بالخوف من غضب الإله، بل تسوّل لهم نفسهم الأمّارة بالسوء أن يتمنوا عدم وجود إلهٍ على الإطلاق، وهي فكرةٌ غير فطريّة وتافهة لدرجة أن المُلحد المُفكّر يمقتها. عقول هؤلاء الأفراد غير مطمئنّة، فهم يجوبون الأرض بحثًا عن صون الحقيقة في زوايا الأرض المظلمة، وهم من الغباء بحيث يظنّون أنهم سيجدوها (إذا أمكنني قول ذلك) مخبّأةً تحت رمال أفريقيا، حيث ازدرى كاتو البحث عنها هناك، ويرفضون ما خاطب به الإله الكون أجمع، ويعتنقون ما يفترضون أنّه أوحى به إلى القلّة، وبذلك يؤمنون ويمارسون تلك الأمور التي لن يجدوا فيها أي رضا. فلنفترض أن النّاس يعتنقون دينًا يتكوّن من الرقص والموسيقى أو ما شابه من الشّعائر أو الاعتقادات المبهمة وعديمة الفائدة. كيف يمكنهم التأكّد من أنهم يمارسونها كما يجب؟ ما هي القاعدة التي يمتلكها هؤلاء النّاس من أجل أن يعرفوا أن الشعائر الأخرى (أو الاعتقادات المبهمة وعديمة الفائدة) غير مطلوبةٍ منهم بدلًا مما يمارسوه ويعتقدون به؟ وكيف يتأكدون من صحّة معتقداتهم المُبهمة؟ هذا لا يؤسس إلا للوساوس والشكوك والمخاوف التي لا نهاية لها. وهنا أستنتج أنّ كلّ فردٍ ملزمٌ بالتفكير بحريّة في أمور الدين بالنسبة لما يتعلّق باطمئنان عقله الذي لن يهدأ حتى يتخلص من بذور الخرافة.

رابعًا، العدد اللانهائي من مدّعي المكاشفة الإلهية في كلّ العصور، والمصحوبة بالمعجزات والممفاهيم الإلهيّة الجديدة والأوامر والمعتقدات والشعائر وطرق العبادة الجديدة، يجعلُ التفكير بالعقول المذكورة أعلاه ضروريًّا، في حالة إذا ما كان الإنسان مُلزمًا على الاستماع لأي وحيٍ على الإطلاق. كيف يمكن لأي فردٍ التفريقُ بين نبيٍّ حقيقي من السماء أو مُدّعٍ للنبوة بدون تمحيص الأدلّة التي يقدّمها كلّ واحدٍ منهم بنفس الحرية التي يمحّص بها أدلة الآخر؟

يعترض البعض أن السماح للأفراد وتشجيعهم على التفكير بحريّة سيُنتجُ انقساماتٍ عديدةٍ في الرأي، وبالتّالي ستسودُ الفوضى في المجتمع. وأجيبُ على ذلك:

دع أيّ فردٍ يضعُ قاعدةً يمنعُ بها تعدد الآراء؛ لن تكون القاعدةُ ناتجةً عن تعدد الآراء بقدرِ ما هي نتيجةٌ للتفكير الحر. وإذا ما مَنَعَتْ القاعدةُ تعدّدَ الآراء، فلن تكون علاجًا أسوأ من المرض، بل ستُسفر عن السؤال.

مجرّد تعدد الآراء لا يؤدي طبيعيًّا للاضطراب في المجتمع. الفيثاغوريون والرواقيون والمتشككون والأكاديميون والكلبيون والستراتونيون كلّهم تواجدوا في اليونان في نفس الوقت، ولقد اختلفوا مع بعضهم في أهمّ الأمور، فعلى سبيل المثال اختلفوا فيما يتعلق بحرية الإرادة وخلود أو معنويّة الروح، واختلفوا في الوجود وطبيعة الآلهة وكيف تحكمُ الآلهةُ العالم. ومع ذلك فلم يحدث اضطرابٌ في اليونان بسبب تعددية الآراء هذه. ولم تكن الأشكال التي لا حصر لها للديانات والعبادات عند القدماء منتجةً لأي اضطرابٍ أو حيرة. بل كان الجدالُ في اللاهوت حاضرًا بينهم، ولم يفتعلْ القساوسة الوثنيّون أيّ مشاكل، ولم يصلنا عن ذلك شيءٌ فيما يسمى بالتاريخ الكنسي. والسبب الحقيقي وراء عدم وجود آثار سيئة لتعددية الآراء هو أنّ النّاسَ اتفقوا عمومًا على المبدأ المعتدل والسلميّ بأن يُسمح لكل فرد بالتفكير بحريّة وامتلاك آراء مختلفة. بينما لو استُخدم التشنيع لديهم كما هو لدينا أو شجب كلُّ واحدٍ الآخر للنار والحطب والسجن والغرامات في عالمنا وللعذاب في الآخرة، ولو تشاركتْ عواطف الجزء الجاهل من الإنسانيّة في أحزابها المتعددة عبر وسائل التشنيع والشجب؛ لساد الاضطرابُ والفوضى وتَبِعَ ذلك كلّ الشرور؛ كما هو حادثٌ اليوم عند من يحاولون منع حرّية الرأي. ربّما نقتنع بذلك عن طريق تجربتنا. كم خلافًا بين الفلاسفة والأطباء واللاهوتيين لم ينجم عنه أيّ سوء بسبب السماح بحرية النقاش الحر؟ بل دع أي فردٍ ينظر لتاريخ دولة الأتراك ليرى مقدار تأثير مبادئهم السمحة واللطيفة على سلام إمبراطوريتهم. لذلك فهو واضحٌ في الواقع أنّ أي قيودٍ على التفكير هي سبب كل الاضطرابات التي تُعزى غالبًا إلى تعدد الآراء، وواضحٌ أنّ حرية التفكير هي علاج كل المشاكل التي يزعم أنها نشأت عن تعدد الآراء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s