في التقدّم – آن روبير جاك تيرغو

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

في التقدم – تيرغو

آن روبير جاك تيرغو

ظواهر الطّبيعة محدودةٌ في إطارٍ من نفس الدوراتِ بحكم كونها مُعرّضةٌ لقوانين ثابتة. كلها تفنى وكلها تنبعث مجدداً؛ وفي هذه الأجيال المُتعاقبة التي تُعاود فيها النباتات والحيوانات إنتاج نفسها، فإن الزمان لا يجمعُ إلا صورةَ ما كان كائنًا.

لكن تعاقُبَ الأجيال البشريّة على العكس من ذلك؛ فهو يُقدّمُ منظوراً متغيراً من عصرٍ إلى عصر. فالإدراك والأحاسيس والحريات كلّها تُنتج بالضرورة مجرياتٍ جديدة. جميعُ العصورٍ متّصلةٌ ببعضها عبر سلسلةٍ من العلل والآثار التي تربطُ العالم حاليًا بجميع ما يسبقه. والرموز المُختلفة للغاتِ والكتاباتِ أعطتْ البشريّة وسائلاً لتوكيد ملكيّة الأفكار وتوصيلها للآخرين، وجعلتْ ما كان مورداً فردياً للمعرفةِ كنزاً عمومياً تتناقله الأجيال إلى جانب الإرث الذي يزدادُ باكتشافاتِ كل عصر؛ ولذا فحين تُعاين عينُ الفيلسوفِ الجنسَ البشريَّ منذ أصوله، فهو يبدو ككلٍّ واحد، وهو بذاته له مولدٌ ونشأةٌ كما أن لكل فردٍ منه مولدٌ ونشأة.

نرى مجتمعاتٍ تؤسس نفسها، وأُمماً تكون نفسها بحيثُ تُهيمن على أممٍ أخرى أو تُصبح تابعةً لها. الإمبراطوريات تنهض وتنهار؛ تتعاقب القوانين وأشكال أنظمة الحُكم؛ وتُكتشفّ العلوم والفنون ويتمّ توظيفها، وهي في تقدّمها تتخلّفُ أحياناً وتتسارعُ أحياناً أخرى وتعبُرُ البلدان. المصالحُ الذاتية والطموحات والخيلاء كلّها تغيّر مشهد العالم وتغمر الأرض بالدماء. لكنْ بين كل خرابها فإن الأخلاق تلينً تدريجيًا، والعقل البشري يتقبّل التنوير، والأمم المستقلّة تقتربُ من بعضها، والتجارة والسياسة تربطان جميع أجزاء العالم؛ فكتلة الجنس البشري تسير دائماً وببطءٍ نحو الكمال على الرغم من تقلّبات الزمان بين الهدوء والتهيّج وبين الظروف الحسنة والسيئة.

الفنّ ينهض فجأةً بأفكارِ وأمجادِ العظماء الُقدامى المنتشرة في كل اتّجاه. كم كان التقدّم في كل شيء بطيئًا حتى الآن! فلمدة ألفي عام قدّمت الميداليّات لكلّ الأعين حروفًا منقوشةً على البرونز، وبعد عصورٍ متعددةٍ يبدو لرجلٍ مندهشٍ أن الحروف يُمكن نقشُها على الورق! وحالما بدأ تمرير كنوز العصر القديم المُستخرجة من التراب بين الأيدي، وحالما بدأتْ تصلُ لجميع المناطق، فسرعان ما أُحضر التنوير للعقول التي أضاعتْ نفسها في الجهل، ومن ثمّ استُدعيت النّبوع من أعماقِ مُعتَكَفه. الوقت حان.

اخرجي يا أوروبا من الظلمات التي أحاطتْ بك! ويا أيّتها الأسماء الخالدة للميديتشي، لليو العاشر، لفرانسيس الأول، عسى أن تُبجّلوا للأبد، وعسى أن يشارك مشجّعو الفن مجد أولئك الذين رعوه! أحييك يا إيطاليا أيتها الأرض السعيدة، فللمرة الثانية بلدُ الحروف والأذواق تصبح مصدرًا للماء الذي يُراقُ من أجل أنْ يخصّب أراضينا. فرنسانا [Our France] تُشاهد تقدّمك من بعد. لكنّ لُغتها لا تزال ملوثةً ببعض بقايا البربريّة.

والآن بما أن العديد من الحقائق والخبرات والأدوات والعمليّات العبقريّة التي راكمتها الفنون خلال العصور أُخرجت من الغموض عن طريق آلات الطباعة، فإن مُنتجات العالَمَين جُلبت لبعضها عن طريق تجارةٍ هائلة أصبحتْ أساساً لتاريخٍ طبيعي وفلسفةٍ لا يزالان حتى الآن غامضيْن ومُحرّرَين أخيراً من المنظورات المشوّهة. والأعين النبهة في كل مكانٍ مُثبّتةٌ على الطبيعة. والفُرص الضئيلةُ التي حُوّلت للربح جَلَبَتْ المُكتشفات. فابن حرفيٍّ من زيلاند جَلَب أثناء تمضيةِ وقته زُجاجتين مُحدّبتين في أنبوبٍ فتلاشت حدود حواسنا. وفي إيطاليا، فعينا غاليليو اكتشفتا كونًا إلهيًا جديدًا. وكيبلر حين كان يبحث في النجوم عن أرقام فيثاغورس اكتشفَ قانونيه المشهورين لحركة الكواكب، وسيصبحان يوماً على يدي نيوتن مفتاحاً للكون. بيكون قد رسم الطريق الذي ستتبعهُ الأجيالُ القادمة. ديكارت العظيم! لو أن إيجادَ الحقّ لم يكن يُعزى إليك فإنك على الأقل دمّرت الاستبداد والخطأ الذي كان يحفّه الغموض. كلّ الغيوم انقشعتْ أخيراً. ما أجمل الضوء الساطع بكل اتجاه! وما أروع حشد العظماء في جميع سبل المعرفة! وما أكْمَلَ العقل الإنساني! رجلٌ واحد، وهو نيوتن، تمكّن من إخضاع اللانهائي لحساب التفاضل والتكامل؛ وكشف عن الطبيعة وخصائص الضوء الذي أخفى نفسَهُ وأظهر لنا ما سواه. وقد وضع نيوتن في ميزانه النجومَ والأرضَ وكل قوى الطبيعة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s