الثورة الكوبرنيكية – برتراند راسل

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

الثورة الكوبرنيكية – برتراند راسل

برتراند راسل
برتراند راسل

إن أول صراعٍ حادٍ بين اللاهوت والعلم وأكثرهم بروزاً هو الخلاف الفلكيّ فيما إذا كانت الأرض أو الشمسُ مركزاً لما نسمّيه اليوم النظام الشمسيّ. كانت النظرية الأرثوذكسية وقتها نظريّة بطليموس التي تستقرّ فيها الأرض بمركز الكون بينما تدور حولها الشمس والقمر والكواكب ومنظومة النجوم الثابتة كلٌّ في مداره الخاص. أما في نظرية كوبرنيكوس الجديدة فالأرض غير ثابتة، بل لها حركة مزدوجة؛ فالأرض تدور حول محورها الخاص مرّةً كل يوم، وتدور حول الشمس مرةً كلّ عام.

ظهرت النظريّة التي نسميها “كوبرنيكيّة” بشكلها الجديد في القرن السادس عشر، لكنّها استُحدثتْ أساساً في زمن الإغريق الذين كانوا يمتلكون وقتها قُدراتٍ فلكيّةً هائلة. فقد أيّدتها المدرسة الفيثاغورسية التي نَسَبَتْ النظريّة (جزافاً ربّما) لمؤسس المدرسة فيثاغورس. لكن أوّل عالم فلكٍ عُرف عنه قطعاً تعليمُ أن الأرض تتحرك كان أريستاركوس السّاموسي الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، ولقد كان رجلاً مميزاً بحقّ. استحدث أريستاركوس منهجياتٍ مقبولةً نظرياً في حساب المسافات النسبيّة بين الشمس والقمر، إلا أنّ الأخطاء التي ارتكَبها أثناء مُلاحظاتِه جعلت نتائجهُ تكونُ بعيدةً عن الصحّة. ومثلما حدث لغاليليو، فقد تلقّى أريستاركوس اتّهاماتٍ بالكُفر؛ وكان الرواقيّ كليانثس من ضمن مُستهجنيه. إلا أنّ تأثير المتشددين على الحكوماتِ في العصر الذي عاش فيه أريستاركوس كان ضئيلاً، ولذا يبدو أنّ استهجانهم لم يُصبه بالأذى.

امتلك الإغريق مهاراتٍ كبيرةً في علم الهندسة، وقد تمكّنوا عبرها من الوصول لبراهين علميّة في أمور معيّنة؛ فقد عرفوا مثلاً سبب حدوث الخسوف، ومن ملاحظتهم لشكل ظلّ كوكب الأرض على القمر استنتجوا أن الأرض كرويّة. بل حتّى أن إيراتوسثينس الذي جاء لاحقاً لأريستاركوس اكتشفَ كيفيّة تقدير حجم الأرض. إلا أن الإغريق آنذاك لم يُحرزوا مبادئ الديناميكا، ولذا فإن من التزم بتعاليم فيثاغورس حول حركة الأرض لم يقدرْ على إيجاد حججٍ قويةٍ تدعمُ وجهة نظره. وقام بطليموس في حوالي سنة ١٣٠م برفض نظرية أريستاركوس، وأعاد الأرض لموقعها المتميّز بمركز الكون. وخلال العصور القديمة والوسيطة، فقد ظلّت نظريّته فوق السؤال.

تشرّف كوبرنيكوس (١٤٧٣-١٥٤٣) بإضفاء اسمه على النظام الكوبرنيكي، وإن لم يكنْ مستحقاً لذلك. فبعد أن دَرَس في جامعة كراكوّ ذهب لإيطاليا في عزّ شبابه، وأصبح بروفسوراً للرياضيات في روما عام ١٥٠٠م. لكنّه عاد إلى بولندا بعد ثلاثة أعوامٍ حيث تمّ توظيفه من أجل الإصلاح الماليّ ومُحاربة الفرسان التيوتونيين. وقد قضى أوقات فراغه خلال الثلاثة والعشرين عاماً بين ١٥٠٧ و ١٥٣٠ في كتابة أعظم أعماله: في دوران الأجرام السماوية، وقد نشر قبل وفاته مباشرةً عام ١٥٤٣.

وعلى الرغم من أهمّية نظرية كوبرنيكوس كثمرةٍ جهدٍ أتاح للخيال التفكير نحو تقدّمٍ أكبر، إلا أن النظرية في حدّ ذاتها كانت منقوصة؛ فالكواكب كما نعرف اليوم تدورُ حول الشمس في مدارٍ إهليلجيّ حيث تحتلّ الشمس إحدى البؤرتين، وليس المدار دائرياً. لكن كوبرنيكوس التزم بفكرة أن المدار لا بدّ وأن يكون دائرياً، وعزى الاضطرابات في الدوران إلى فرضيّة أن الشمس لم تكن تقعُ تماماً في مركز أيٍّ من المدارات. وقد جرّد هذا الالتزام نظامَ كوبرنيكوس من البساطة التي جعلتْه متفوفاً على نظام بطليموس، ولولا أن كيبلر صحح النظريّة لما تمكّن نيوتن من تعميم القانون الثالث لكيبلر حول الجاذبية بين جسمين.

وكان كوبرنيكوس مُدركاً إلى حقيقة أنّ أريستاركوس كان يُدرّس جوهر نظامه من قبل، وهو يُدين بمعرفته هذه لحركة إحياء العلوم الكلاسيكية بإيطاليا؛ فلولا الإعجاب منقطع النظير بالعصور القديمة آنذاك لما امتلك كوبرنيكوس الشجاعة لنشر نظريته. وكما كان، فقد أجّل كوبرنيكوس نشر نظريّته خوفاً من السخط الإكليروسي. وبحكم كونه منتمياً للأوساط الإكليروسية، فقد أهدى كتابه للبابا، ولقد كتب الناشر أوسياندر مقدّمةً للكتاب (ربما بدون موافقة كوبرنيكوس) قائلاً أن نظريّة حركة الأرض وُضعتْ كفرضيّة لا غير، وليستْ حقيقةً مؤكدة. وكانت هذه الأساليب كافيةً لمدّةٍ من الزمان لتجنّب السخط، لكن تحدّي غاليليو الجريء كان هو السبب في جلب الاستهجان الرجعي لكوبرنيكوس.

كان البروتستانت في البداية أكثر لذعاً تجاه كوبرنيكوس من الكاثوليك. وقد قال لوثر أن “الناس بدأت تسمعُ لعالمٍ فلكٍ مُبتدئ بذل جُهده لإثبات أن الأرض هي من تدور، وليس الأجرام السماوية ولا الشمس ولا القمر. إذا ما أراد أحدٌ إظهار ذكائه فعليه أن يبتدع نظاماً جديداً يكون بالطبع أفضل من جميع الأنظمة السابقة، إلا أنّ هذا الأحمق يود قَلْبَ علم الفلك! والنصوص المُقدّسة تُخبرنا أن يُوشُع أمر الشمس بالثبات، ولم يأمر الأرض.” وكان ميلانكتون متشدداً بالشكل نفسه، وكذلك كان كالفن الذي بعدما اقتبس من المزامير “أيضاً تثبتت المسكونةُ فلا تتزعزع” استنتج بفخر قائلاً: “من ذا الذي يجرؤ على وضع سُلطة كوبرنيكوس فوق الروح القدس؟” بل حتى ويسلي في أواخر القرن الثامن عشر على الرغم من محاولته إخفاء تشدده ذكر أنّ المُعتقدات الجديدة في علم الفلك “تميل نحو الكفر.”

وأعتقد في هذا الأمر بالتحديد أن ويسلي كان إلى حدٍّ ما مُحقاً. أهمّية الإنسان كانت جزءاً أساسياً في تعاليم كلا العهدين القديم والجديد؛ فغرض الربّ من خلق الكون بدا مُتعلقاً بالبشرية. ولولا أنّ الإنسان أهمّ المخلوقات لما ظهرتْ مُعتقدات التجسّد وألم المسيح ممكنةً. وليس في فلكيّات كوبرنيكوس أي شيءٍ يُثبت أننا أقل أهمّية مما كنا نعتقد عن أنفسنا، إلا أن إنزال الأرض من موقعها المحوري قد يُوحي للخيال أن الكائنات هي الأخرى أُنزلتْ من عروشها. ولمّا كانت الفكرةُ السائدة أن الشمس والقمر والكواكب والنجوم الثابتة تدور حول الأرض مرّةً كل يوم فقد كان من السهل افتراض أنها لمْ تُوجد إلا لفائدتنا وبأن الخالق وهبنا منزلةً خاصّة. لكن حين قام كوبرنيكوس وأتباعه بإقناع العالم أننا نحن من ندورُ في الواقع بينما لم يكن كوكبنا مُهماً بالنسبة للنجوم، وحين ظهر أن حجم الأرض أصغرُ مقارنةً بالعديد من الكواكب وبأننا صاغرون قبال الشمس، وحين كشفتْ الحسابات والتلسكوب عن الاتّساع الهائل للنظام الشمسيّ وللمجرة وللكون الذي يحتوي على مجراتٍ عديدة، فقد بدا من الصعب الإيمان بأن مُستقرّاً بعيداً ومحدوداً مثل كوكب الأرض يُمكن أن يرتقي لأن يكون منزلاً للإنسان (استناداً لمنزلة الإنسان في اللاهوت التقليديّ). ومُجرّد تصّور الأحجام يُوحي أننا لسنا الغاية من خلق هذا الكون؛ وبدأ حب الذات المستمر يهمس قائلاً أننا إذا لمْ نكن الغاية من الكون، فلربما لم تكن للكون غايةٌ على الإطلاق. لا أعني بكل هذا القول أن هذه التأمّلات كانت مُقنعةً منطقياً، ولكنّها سرعان ما بدأت بالانتشار مع النظام الكوبرنيكي، بل أعني فقط أن هذه التأمّلات كانت كفيلةً مثل النظام لإثارة أيٍّ ممن تَحْضُرُه. ولذلك فليس مفاجأةً أن الكنائس المسيحية، سواء كانت كاثوليكية أو بروتستانتية، شعرتْ بعداءٍ تجاه النظريّات الفلكيّة الجديدة، وسعتْ لإيجاد أساسٍ ديني من أجل وصمها بالزندقة.

الخطوة الكُبرى الأخرى في علم الفلك اتّخذها كيبلر (١٥٧١-١٦٣٠)، وقد كانت آراؤه موافقةً لغاليليو إلا أنّه لم يكنْ في موقف المواجهة مع الكنيسة. وعلى العكس من ذلك؛ فإن السلطات الكاثوليكية تسامحتْ مع كونه بروتستانتياً بسبب منزلته العلميّة. ولذا فحين تحوّلت السيطرة في مدينة غراتز التي كان مدرّساً فيها من أيدي البروتستانت إلى الكاثوليك، فقد تمّ إقصاء جميع المعلمين البروتستانت. وعلى الرّغم من فراره إلا أنّه عُيّن مجدداً من قِبَل اليسوعيين. وقد خَلَفَ تيخو براهي كـ “عالم رياضيات امبراطوريّ” تحت حكم الإمبراطور رودولف الثاني، وورث أيضاً السجلّات القيمة لتيخو. ولو أن كيبلر اعتمد في مدخوله على منصبه الرسمي لمات جوعاً؛ فالرّاتب وإن كان كبيراً إلا أنه لمْ يُدفعْ. لكن بالإضافة لكونه عالم فلك، فقد اشتغل كيبلر بعلم التنجيم (وربّما كان مؤمناً به فعلاً)، وقد تمكّن من المطالبة بالدفع نقداً حين تنبأ بطالع الإمبراطور وغيره من أصحاب الوجاهة. بل أنّه ذكر بصدقٍ لطيفٍ أن: “الطبيعة التي هيّأت لكل مخلوقٍ وسيلة معيشته أعطتنا علم التنجيم كتابعٍ وحليفٍ لعلم الفلك.” ولم تكن قراءة الطالع وسيلة رزقه الأخرى الوحيدة، فقد تزوّج امرأة وريثة؛ وعلى الرغم من أنه كثيراً ما اشتكى حالة الفقر، فقد اكتُشف بعد موته أنه كان أبعد ما يكون من البؤس.

وطبيعة عبقريّة كيبلر كانت فريدةً من نوعها؛ فقد كان في البداية مؤيداً للفرضية الكوبرنيكية تأييداً أعمى بقدر ما كان بدوافع عقلانيّة. ففي جهوده لاكتشاف قوانينه الثلاثة كان دافعه فرضيّةً أسطوريّة عن وجود صلةٍ بين الجوامد الخمسة والكواكب الخمسة: عطارد، الزّهرة، المريخ، المشتري، وزحل. وهذا مثالٌ جامحٌ لحدثٍ لم يكن غير مُعتادٍ في تاريخ العلم؛ أي النظريّات التي بدأت في عقول مُكتشفيها من خلال اعتباراتٍ وهميّةٍ وباطلةٍ ثم تبيّنتْ صلاحيّتها وأهميّتها. والحقيقةُ أنّه من الصعب التفكير بالفرضيّة الصحيحة، ولا توجدُ منهجيّة تُمكّن هذه الخطوة المهمّة في تقدّم العلم. وبالتالي فإن أيّ خطّةٍ منهجيةٍ لطرح فرضيّات جديدةٍ تُعتبر مفيدة؛ والإيمان التامّ بتلك الخطّة يُعطي الباحث صبراً على مواصلة التجارب بكل الاحتمالات الممكنة مهما كثُرت المحاولات السابقة. وكذلك كان الحال مع كيبلر؛ فنجاحه النهائي (خصوصاً فيما يتعلّق بقانونه الثالث) يُعزى لصبره الشديد، وقد كان صبره الشديد أحد نتائج معتقداته صوفيّة الطبع بأنه لا بدّ من وجودٍ دليلٍ ما في الجوامد المُنظّمة، بالإضافة لمعتقداته في أن الكواكب حين تدور تُنتج “موسيقى الأجرام” التي يُمكن لروح الشمس فقط أن تسمعها، فقد كان مُقتنعاً أن الشمس عبارةٌ عن كتلةٍ من روحٍ إلهيّة. قانونا كيبلر الأوليّان نُشرا في عام ١٦٠٩م، ونُشر الثالث في عام ١٦١٩م. وأهمّ تلك القوانين الثلاثة من وجهة نظرنا حول الصورة العامة للمنظومة الشمسيّة هو القانون الأول، والذي ينصّ على أن الكواكب تدور حول الشمس في مدارات إهليلجية بحيث تتخذ الشمس موقعها في إحدى البؤرتين (من أجل رسم مدار إهليلجي، ضع دبّوسين على قطعةٍ من الورق بحيث يكون بينهما إنشٌ تقريباً، ثم خذ خيطاً طوله إنشين واربط نهايتيه بالدبّوسين. جميع النقاط التي يُمكن رسمها على الخيط المعقود واقعةٌ على المدار الإهليلجي الذي يُشكّل الدبوسان بؤرتيه. وبعبارةٍ أخرى، فالمدار الإهليلجي يتكوّن من جميع النقاط التي لو جُمِعتْ المسافة بينها وبين بؤرةٍ للمسافة بينها وبين البؤرة الأخرى لأعطتْ المقدار نفسه). وقد افترض الإغريق في البداية أنّ جميع الأجرام السماويّة تتحرك في مدارات دائريّة لأن الدائرة بنظرهم كانت المُنحنى الأكثر كمالاً. وحين اكتشفوا أن نظريّتهم لن تعملْ تبنّوا النظرة القائلة أن الكواكب تتحرّك في فلكٍ دائري؛ أي دوائر صغيرةٍ تدور حول مركزٍ يدور هو الآخر حول دائرةٍ أكبر (من أجل صُنع فلك دائري، خذ عجلةً كبيرةً وضعها على الأرض، ثمّ خذ عجلةً أصغر وثبّت مسماراً على إطارها، واجعلْ العجلة الصغيرة تدورُ حول الكبيرة بينما يخدش المسمار الأرض. والآثار التي يُخلّفها المسمار على الأرض هي الفلك الدائري. فإذا كانت الأرض تتحركُ في دائرةٍ حول الشمس، وكان القمرُ يتحرّك في دائرةٍ حول الأرض، فإن القمر سيتحرّك في فلكٍ دائريّ حول الشمس). وعلى الرّغم من أن الإغريق عرفوا الشيء الكثير عن الأشكال الإهليلجية ودرسوا بعنايةٍ خصائصها الرياضية، فلم يخطر ببالهم إمكانيّة أن الأجرام السماوية تتحركُ بأي شكلٍ خلافاً للدائرة ومضاعفاتها؛ فحسّهم الإستطيقي سيطر على تصوّراتهم وجعلهم يرفضون جميع فرضيّات الأشكال الغير متناظرة. وقد ورث السكولاستيكيون هذه الأحكام المُسبقة من الإغريق، وكيبلر كان أول المغامرين بمعاكسة هذا المنظور. والتّصورات المسبقة ذات الجذر الإستطيقي مُضللة مثلما هي التصورات المسبقة الأخلاقية أو اللاهوتيّة، ومن هذا المنطلق وحده كان كيبلر مُبتدعاً ذا أهميّة من المقام الأول. وقوانينه الثلاثة لها أهمّية أخرى ومكانةٌ كبرى في تاريخ العلم لكونها تسببتْ في إثبات نظرية نيوتن للجاذبية. وعلى العكس من قانون الجاذبيّة، فقد كانت قوانين كيبلر وصفيّةً محضة؛ فهي لم توحِ بأي سبب رئيسي لحركة الكواكب سوى أنّها أعطتْ أبسط معادلةٍ جامعةٍ لنتائج الملاحظة. بساطة الوصف كانت الميزة الوحيدة للنظرية القائلة أن الكواكب تدور حول الشمس وليس حول الأرض، وبأن ما يبدو أنّه دورانٌ يوميّ للأجرام السماوية حول الأرض كان في الواقع نتيجةً لدوران الأرض نفسها. ولعلماء الفلك في القرن السابع عشر فقد بدا أن الموضوع أكبر من مُجرّد البساطة؛ فالأرض كانتْ فعلاً تدور والكواكب فعلاً تدور حول الشّمس، وقد عززتْ أعمال نيوتن وجهة النظر هذه. لكن في الواقع، وبسبب كون كلّ الحركة نسبيّة، فمن الصعب التمييز بين فرضيّة أن الأرض تدور حول الشمس وفرضيّة أن الشمس تدور حول الأرض. كلتا النظريتين مُجرّد طريقةٍ مُختلفةٍ للتعبير عن الحدث نفسه؛ تماماً كالقول أن (أ) تزوّج (ب) أو أن (ب) تزوّج (أ). لكن حين يأتي الأمر للتفاصيل، فالبساطة الشديدة للوصف الكوبرنيكي تُصبح مهمّة جداً لدرجة أنّه لا يوجد أي عاقلٍ يُثقل نفسه بالتعقيدات المتضمّنة في اعتبار الأرض ثابتة. نحن نقول أن قطاراً ما يُسافر لإدنبره بدلاً من قول أن إدنبره تُسافر للقطار. يُمكن أن نقول العبارة الأخيرة دون أن نقع في خطأٍ عقليّ، لكن يستوجب علينا ذلك الافتراض أن جميع المدن والحقول عبر ذلك الخط سافرت جنوباً هي الأخرى، وينطبقُ ذلك على كل ما بكوكب الأرض عدا القطار، وذلك ممكنٌ منطقياً لكنّه مُعقّدٌ بشكلٍ غير ضروري. وفرضيّة بطليموس حول الدوران اليومي للنجوم هي الأخرى اعتباطيةٌ وعشوائيّة، إلا أنّها خاليةٌ من الأخطاء العقلية. وبالنسبة لكيبلر وغاليليو وخصومهما، فالسؤال الذي يدور النقاش حوله لم يكن سؤالاً حول مواءمة الوصف (بحكم كونهم لم يُميّزوا نسبية الحركة)، بل كان سؤالاً حول الحقيقة الموضوعيّة. وهذا الخطأ كما سيبدو لاحقاً كان مُحفّزاً ضرورياً من أجل تقدم علم الفلك في ذلك الوقت بحكم أن القوانين التي تحكم حركة الأجرام السماوية لم تكنْ مُكتشفةً بعد سوى التبسيط الذي قدّمته فرضيّة كوبرنيكوس.

غاليليو غاليلي (١٥٦٤-١٦٤٢) كان القامة العلميّة الأبرز في زمانه بفضل مُكتشفاته العلميّة وصدامه مع محكمة التفتيش. أبوه كان عالم رياضيّاتٍ مُعدماً، وقد جاهد لتوجيه انتباه ابنه لدراسة ما اعتقد أنّه سيعود عليه بربحٍ أكبر. وقدْ نجح في البداية من منع غاليليو حتى من المعرفة بوجود مادّة كالرياضيات، حتى حدث أنّ غاليليو حين كان في التاسعة عشر من عمره استرق السمع لمحاضرةٍ عن علم الهندسة. وقد انقضّ بشراهةٍ على المادة التي سحرتهُ كأنها فاكهةٌ محرّمة. ولسوء الحظ فإنّ العبرة من هذه القصة القصيرة فاتت على المعلّمين.

أكبر مزيةٍ لغاليليو كانت مزيجه بين المهارتين التجريبيّة والميكانيكية مع القُدرة على تمثيل نتائجه في قوانين رياضيّة. وقد بدأت دراسة الديناميكا، أي القوانين التي تحكمْ حركة الأجسام، مع غاليليو نظرياً. فالإغريق دَرَسوا على الاستاتيكا، أي قوانين السكون. إلا أنّهم ورجال القرن السادس عشر أساؤوا فهم قوانين الحركة، والحركة بسرعةٍ متفاوتة بوجه الخصوص. ففي البداية، كان يُعتقد أن الجسم المتحرّك إذا ما تُرك وشأنه فإنّه سيتوقف، في حين أن غاليليو بيّن أن الجسم سيواصل حركته في خطٍّ مستقيمٍ وبسرعةٍ ثابتةٍ إذا ما كان مُحرراً من جميع المؤثرات الخارجيّة. ولوضع المسألة في صياغةٍ أخرى، لا يجب أخذ الظروف البيئية بعين الاعتبار في علاقتها بحركة الجسم، بل في علاقتها بتغيّر حركته سواءً في سرعته أو اتجاهه. تغيّر السرعة أو تغيّر اتجاه الحركة هو ما يُعرف بالتسارع. ولذا حين يُشرح سبب تحرّك الأجسام، فإن التّسارع هو ما يكشفُ لنا عن القوى الخارجيّة المؤثرة، وليس السرعة. وقد كان اكتشاف هذا المبدأ الخطوة الأولى الضرورية للديناميكا.

طبّق غاليليو هذا المبدأ في شرح نتائج تجاربه على الأجسام الساقطة. أرسطوطاليس كان يُعلّم أن سرعة الجسم أثناء سقوطه تناسب طردياً مع وزنه، أي لو أُسقط جسمان أحدُهما يزن ١٠ باوندات والآخر يزن باونداً واحداً، فإن الجسم الذي يزن باونداً واحداً سيستغرق عشرة أضعاف الوقت الذي يستغرقه الجسم الذي يزن ١٠ باوندات حتى يصل إلى الأرض. وحين كان غاليليو بروفسوراً في بيزا (وهو لم يكنّ أي احترام لغيره من البروفسورات) كان يُسقط الأوزان من برج بيزا المائل بينما كان زملاؤه يسيرون مُتّجهين لمحاضراتهم. الكتل الكبيرة والصغيرة من الرّصاص وصلت لسطح الأرض في الوقت نفسه تقريباً، مما أثبت لغاليليو أن أرسطوطاليس كان مُخطئاً في علمه، وأثبت أيضاً للبروفسورات الآخرين أن غاليليو كان غريباً. وأفعال غاليليو الماكرة كهذه هي التي حرّكت الكراهية الواضحة من قِبَل أولئك الذين يؤمنون أن الحقيقة موجودةٌ في طيّات الكتب وليست في التجربة.

وبصرف النّظر عن المقاومة الهوائية، فقد اكتشف غاليليو أن الأجسام حين تسقطُ بشكلٍ حرٍّ فإنها تسقط بتسارعٍ منتظمٍ. وفي حالة السقوط في الفراغ، فإن التّسارع يكون مُتساوياً لجميع الأجسام بغضّ النظر عن حجمها أو نوع المادة التي تتكون منها. وسرعة الجسم أثناء السقوط الحرّ في الفراغ تزداد بمقدار ٣٢ قدماً كلّ ثانية. ولقد أثبتَ غاليليو أيضاً أن الأجسام التي تُرمى بشكلٍ أفقي مثل الرصاصة تتحركُ بشكلٍ قُطْعٍ مكافئ؛ فالتّصور القديم كان أنّ الأجسام تتحرك أفقياً لفترة ثمّ تسقط بشكلٍ عمودي. هذه النتائج قد لا تبدو لنا باهرة، لكنّها كانت بداية المعرفة الرياضيّة الدقيقة فيما يتعلق بحركة الأجسام. ففي الأزمان التي سبقت غاليليو كان هناك رياضيّات محضةٌ وقياسيّة ولم تعتمدْ على الملاحظة، والمقدار المعيّن الموجود من الاختبارات التجريبية كان مُتعلقاً بالخيمياء. لكن غاليليو هو من دشّن ممارسة التجارب من أجل الوصول للقانون الرياضي، وبذلك فقد أتاح للرياضيّات أن تكون تطبيقية حتّى بالنسبة للمواد التي لم يكن هُناك معرفةٌ سابقةٌ عنها. وقد أظهر غاليليو بشكلٍ واضحٍ ودراماتيكي سهولة أن تتناقل الأجيال مفهوماً معيناً على الرّغم من أن أقلّ محاولةٍ لاختبار ذلك المفهوم ستُظهر مغلوطيّته.

خلال الألفي عام منذ أرسطوطاليس حتى غاليليو، لم يُفكّر أحدٌ في التبيّن من صحّة القوانين التي ذكرها أرسطوطاليس. اختبار أمثال هذه القوانين يبدو أمراً بديهياً بالنسبة لنا، إلا أن ذلك تطلّب عبقرية في أيام غاليليو.

وعلى الرغم من أن التجارب على الأجسام الساقطة أزعجت المتحذلقين، إلا أنه لم يتمّ إدانتها من قبل محكمة التفتيش، وما أدّى بغاليليو للبقاع الخطرة كان التلسكوب. فلمّا سمع غاليليو أن رجلاً هولندياً اخترع أداة كهذه سرعان ما أعاد اختراعها، واكتشف حالاً العديد من الحقائق الفلكيّة، وأهمّ تلك الحقائق بالنسبة له كان اكتشاف أقمار المشتري. أهمّية وجود الأقمار تقبع في كونها نسخةً مصغّرةً لمنظومة كوبرنيكوس الشمسيّة فيما كان نظام بطليموس غير مُتوافقٍ معها. وبالإضافة لذلك، فقد كان هُناك أسبابٌ عديدةٌ لوجود سبعة أجرامٍ سماويةٍ فقط (أي الشمس والقمر والكواكب الخمسة، بغض النظر عن النجوم الثابتة)، واكتشاف أربعة أجرامٍ جديدة سيكون مُقلقاً جداً؛ ألم يكنْ هناك سبعُ شموعٍ لمُعتقد التجلّي؟ والسبع الكنائس في آسيا؟ رفض الأرسطوطاليوّن النظر عبر التلسكوب رفضاً قاطعاً، وزعموا بعنادٍ أن أقمار المشتري محض أوهام. لكنّ تسمية غاليليو للأقمار بـ “نجوم ميديشيا” تيمّناً بدوق تسكانيا الأكبر جعل الحكومة تقتنعُ بحقيقة وجودها. وأولئك الذين لم يتحمّلوا حجج النظام الكوبرنيكي، فلن يتمكنوا من المحافظة على موقفهم المُنكر للأقمار.

وبالإضافة لأقمار المشتري، فإن التلسكوب كَشَف أشياء أكثر إرعاباً للاهوتيين. فقد أظهر مثلاً أن لكوكب الزّهرة مراحل مشابهةٌ للقمر، وقد أدرك كوبرنيكوس أن نظريته تتطلّب ذلك، ولذا فإن أداة غاليليو حوّلتْ ذلك من حُجّةٍ ضدّه لحجّةٍ لصالحه. وقد اكتشف أيضاً أن في القمر جبالاً، وقد كان هذا لسببٍ ما أمراً صادماً. وما كان مُرعباً أكثر، فقد اكتُشِفَ وجودَ بُقعٍ على الشمس! وذلك يُعتبر ميلاً لإظهار أن ما يخلقه الإله قد يكون معيوباً؛ وبسبب ذلك مُنع المعلّمون في الجامعات الكاثوليكين من ذكر وجود البُقع على الشمس، وقد استمرّ هذا المنع في بعض الجامعات لعدّة قرون. وقد تمّ ترقية راهبٍ دومينيكي بسبب خُطبةٍ جناسية: “يا رجال الخليل، لم تقفون ناظرين إلى السماء؟” وفي سياق الخُطبة زَعَمَ أن علم الهندسة من الشيطان، وأن علماء الرياضيّات يجب نفيُهم لأنّهم كُتّاب للزندقة. ولم يتباطأ اللاهوتيون في الإشارة إلى أن المُعتقد الجديد سيجعل مُعتقد التجسّد صعب التصديق. وبالإضافة لذلك، ولأنّ الإله لم يخلق شيئاً عبثاً، فإنّ علينا أن نفترض أن بقيّة الكواكب هي الأخرى مأهولة؛ لكن هل يُمكن أن يكون قاطنوها متحدّرين من نسل نوحٍ أو أن يكون المسيح قد افتداهم؟ هذان جزءٌ من الشكوك المُرعبة التي يُثيرها فضول غاليليو الخالي من التقوى بحسب ما يقول الكرادلة ورؤساء الأساقفة.

ونتيجةً لذلك، فمحكمة التفتيش بدأت بالتركيز على علم الفلك، ووصلت عبر تطبيق القياس على النصوص المقدّسة لحقيقتين مهمّتين:

“القضيّة الأولى، وهي أن الشمس هي المركز وأنها لا تدور حول الأرض، حماقةٌ وسخفٌ وخطأٌ لاهوتيّ وزندقةٌ لأنها تُعارض ما هو مذكورٌ بصراحةٍ في النصوص المُقدّسة… القضيّة الثانية، وهي أن الأرض ليست المحور وأنها تدور حول الشمس، سخفٌ وخطأٌ فلسفي ومجانبةٌ للعقيدة السليمة من وجهة نظرٍ لاهوتيّة.”

عند هذا أُمر غاليليو بالمُثول أمام البابا للظهور أمام محكمة التفتيش التي أمرته بإنكار أخطائه، وقد قام بذلك فعلاً في السادس والعشرين من فبراير عام ١٦١٦م. وقد وَعَدَ جدّياً أنه لن يؤيد الرأي الكوبرنيكي أو يُعلّمه سواءً كتابةً أو شفهياً، ولا بدّ من التذكير أنه لم يمر على حرق برونو إلا ١٦ عام فقط.

وبأمر البابا وُضعت جميع الكتب التي تُعلّم أن الأرض تتحرك في فهرس الكتب الممنوعة، والآن ولأوّل مرّة فقد تم إدانة عمل كوبرنيكوس نفسه. وانعزل غاليليو لفلورنسا حيثُ عاش لفترةٍ بهدوٍ مُتجنّباً كلّ ما قد يُهين أعداءه “المنتصرين”.

لكنّ غاليليو كان ذو طبعٍ متفائل، وكان على أتمّ الاستعداد لتوجيه حذاقته ضد أعدائه. وفي عام ١٦٢٣م، أصبحَ صديقُه الكاردينال باربريني بابا تحت اسم أوربان الثامن، وذلك أعطى غاليليو إحساساً بالأمان، لكنّ الزمان أظهر أن هذا الإحساس كان مبنياً على باطل. وقد بدأ فعلاً بالعمل على كتابة: حوارات حول أعظم نظامين للكون، وقد أُنجز في عام ١٦٣٠م ونُشر في ١٦٣٢م. وفي هذا الكتاب هناك ادّعاء رقيق بترك الأزمة مفتوحةً بين “النظامين العظيمين”، أي نظام بطليموس ونظام كوبرنيكوس، لكنّ الواقع أن الكتاب كُلّه حجّة قوية لصالح نظام كوبرنيكوس. كان كتابه ذكياً، وتمّت قراءته بنهمٍ في جميع أوروبا.

لكن بينما كان العالمُ العلميّ يصفّق، فإن العالم الإكليروسي كان حانقاً. ففي فترة الصمت الإجباري على غاليليو اغتنم أعداؤه الفرصة لزيادة تحاملهم عبر محاججاتٍ يُعتبر الرد عليها طيشاً؛ فقد تم التحريض على أن تعاليم غاليليو كانت غير متّسقةٍ مع عقيدة الحضور الحقيقي للمسيح. بل زَعَمَ اليسوعيّ مليكوير إنشوفير أن “الرأي القائل أن الأرض مُتحركة هو الأكثر شناعةً وخُبثاً وخزياً من بين جميع الزندقات. ثباتُ الأرض أمرٌ مُقدَس، بل يمكن التّسامح مع من يقول بعد خلود الروح وعدم وجود الإله وعدم حدوث التّجسيد بشكلٍ أفضل ممن يحاججُ بحركيّة الأرض.” وأثار اللاهوتيون السخط فيما بينهم بصيحاتهم، وقد كانوا على أهبّة الاستعداد للانقضاض على رجلٍ عجوزٍ أضعفه المرض وصار بصرُه آخذاً للفقدان.

تمّ استدعاء غاليليو مجدداً لروما من أجل المثول أمام محكمة التفتيش التي شعرتْ بالإهانة، وكانت أكثر صرامةً من المرة السابقة عام ١٦١٦م. في البداية تذرّع غاليليو أنّه أشدّ مرضاً من أن يحتمل الرحلة من فلورنسا. لكن البابا هدد وقتها بإرسال طبيبه الخاص من أجل فحص المُذنب، وإذا ما تبيّن أن مرضه ليس بتلك الخطورة فإنه سيُقاد لروما مقيّداً بالسلاسل. وقد أجبر التهديد غاليليو على قطع الرحلة دون انتظار تقرير الطبيب، فالبابا أوربان الثامن صار الآن خصمه اللاذع. وحين وصل غاليليو لروما أُلقي في سجون محكمة التفتيش، وهُدد بالتعذيب إذا لمْ يتبْ. وحكمتْ محكمة التفتيش “بالاسم المقدّس للإله يسوع المسيح وبالاسم الأعظم للعذراء مريم” على غاليليو ألّا يُعاقب بأحكام الزنادقة “بشرط أن تتوب وتتبرأ من أخطائك وزندقاتك في حضورنا بقلبٍ صادقٍ وعقيدةٍ صادقة.” وعلى الرغم من ذلك، وبغض النظر عن تراجعه وتوبته، “نحكم عليك بالسّجن في سجن مكتبنا المقدّس لفترةٍ تقررها إرادتنا، ومن أجل توبةٍ نصوح نأمرك بقراءة تراتيل التوبة مرّةً كل أسبوع لمدة ثلاث سنين.”

هذا الحكم المعتدل نسبياً كان مشروطاً بتراجعه عن كلامه، ولذا فإن غاليليو قرأ بياناً طويلاً أعدّته محكمة التفتيش أمام الملأ وهو جاثٍ على ركبتيه، وكان في معرض ما قاله: “أتوبُ وألعنُ وأتبرأُ من أخطائي وزندقاتي المذكورة … وأقسم أنني لن أؤكد في المستقبل سواءً كتابةً أو شفهياً أيّ شيءٍ قد يُثير شبهاتٍ مماثلةً ضدّي.” وقد وعد غاليليو محكمة التفتيش أن سيستنكر جميع الزنادقة الذين يزعمون أن الأرض تتحرك، وقد أقسم ويده على الإنجيل أنه تاب حقاً من هذا المُعتقد. رضيتْ محكمة التفتيش بتحقق المصالح الدينية والأخلاقية حين جعلتْ أعظم رجلٍ في العصر يحلفُ كذباً، ولذلك فقد سمحتْ لغاليليو بإمضاء عقوبته في عزلةٍ وبصمتٍ خارج السجن لكن بتحكّمها في جميع تحركاته ومنعه من رؤية أصدقائه وعائلته. وقد أصبح غاليليو أعمى في عام ١٦٣٧م وتوفّي عام ١٦٤٢م في السّنة التي وُلد نيوتن فيها.

منعت الكنيسة تعليم النظام الكوبرنيكي في جميع المؤسسات التعليمية الواقعة تحت سيطرتها. والأعمال التي تُعلّم أن الأرض مُتحركة بقيت في الفهرس حتى عام ١٨٣٥م. وحين تمّ الكشف عن تمثال كوبرنيكوس في وارسو عام ١٨٢٩م، فقد حضرت الجموع لتكريم عالم الفلك، لكن بالكاد تواجد القساوسة الكاثوليك. وخلال قرنين من الزمان، فإن الكنيسة الكاثوليكية حافظتْ على موقفها المُعارض الآخذ في الضعف من نظريّةٍ صارت في تلك الفترة مقبولةً من قبل جميع علماء الفلك تقريباً.

لا يجب الافتراض أن اللاهوتيين البروتستانت كانوا أكثر تقبّلاً للنظريات الجديدة من الكاثوليك؛ ولكن لأسباب متعددة فإن معارضتهم كانت أقلّ تأثيراً. فلم تكن هناك مؤسسةٌ في الدول البروتستانتية قادرةٌ على تطبيق العقائد الأرثوذكسية بقوّة محكمة التفتيش، وبالإضافة لذلك فإن تعدد الطوائف جعل الاضطهاد الفعّال صعباً، وساهمت الحروب الدينية أيضاً في الرغبة بتشكيل “جبهةٍ متّحدة”.

وحين سمع بتجريم غاليليو عام ١٦١٦م، أُصيب ديكارت بالرّعب وفرّ لهولندا حيث كانت الحكومة ملتزمةً بمبادئ التسامح الديني على الرغم من وجود مطالباتٍ من قبل اللاهوتيين بمعاقبة ديكارت. ولم تكن الكنائس البروتستانتيّة مُقيّدة بدعوى العصمة؛ فعلى الرغم من قبولهم بكون النصوص المُقدّسة موحاةً شفهياً، إلا أن تفسيرها تُرك للتقرير الخاص، بحيث سرعان ما وُجدت طرقٌ لتفسير النصوص المُقلقة. الحركة البروتستانتية بدأت كثورةٍ ضد الهيمنة الإكليروسية، وقد دَعَمتْ الحركة السّلطات العلمانيّة حيثما وُجدت ضدّ رجال الدين. ولا شكّ أن رجال الدين لو امتلكوا السّلطة لاستغلوها في منع انتشار الكوبرنيكية، بل حتى أنّه في أواخر ١٨٧٣م، نشر الرئيس السّابق لكلّيةٍ أمريكية لوثرية كتاباً حول علم الفلك، وشرح فيه أن الحقيقة يُمكن إيجادها في الإنجيل وليس في كتب علماء الفلك، ولذا يجب رفض كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن وخلفاؤهم. لكنّ الاعتراضات التي جاءت مُتأخرة مثل هذا مثيرةٌ للشفقة. ومن المُعترف به عالمياً اليوم أن نظام كوبرنيكوس كان مرحلةً ضروريةً ومهمةً جداً في تطوّر المعرفة العلميّة على الرغم من كون نظامه غير نهائي.

وبالرغم من أن اللاهوتيين أدركوا بعد انتصارهم على غاليليو أنّه من الحصافة تجنّب اتخاذ موقف حتميٍّ رسمياً كما أظهروا سابقاً في حالة غاليليو، إلا أنّهم واصلوا مُعارضتهم الشعواء للعلم وقتما استطاعوا. ويُمكن التّمثيل على ذلك بموقفهم حول المذنّبات التي قد تبدو للعقل الحديث غير متّصلة بشكلٍ وثيقٍ بالدين. إلا أنّ اللاهوت القروسطي يفترض وجود منظومةٍ منطقيّةٍ واحدةٍ لا تتغير، ولذلك توجّب امتلاكه رأياً قطعياً حول كل شيء، وذلك خوّله لخوض حربٍ ضد جبهة العلم. ونُدين للاهوت العتيق هذا في أن غالبيته كان جهلاً منظّماً يُعطي رائحةً قُدسيّةً للغطٍ يجب ألّا يستمرّ في عصرٍ تنويري. وبالنسبة للمذنّبات، فالآراء الإكليروسية نبعت من مصدرين: ففي جانبٍ لم تكن سيادة القانون الطبيعي كما نعرفها اليوم، وفي جانبٍ آخر فقد اعتُقد أن جميع ما فوق الغلاف الجوي للأرض لا يتدمّر.

نبدأ بسيادة القانون الطبيعي؛ فقد كان يُعتقد بعض الأشياء تحدث بطريقةٍ نظاميةٍ كشروق الشمس وتعاقب المواسم، كما أن بعض الأمور كانتْ آياتٍ ونذور بحيث أنها تتنبأ بأحداث قادمة أو تدعو الناس لطلب التوبة عن ذنوبهم. ومنذ وقت غاليليو، فالعلماء تصوّروا قوانين الطبيعة على أنها قوانين للتغيير؛ فالقوانين تُخبر عن حركة الأجسام في ظروف معيّنة وتمكننا من حساب ما سيحدث، لكنّها لا تُخبر أن ما سيحدث سيحدث فعلاً. نعلمُ أنّ السمي ستستمر في الشروق لمدةٍ طويلة، لكن في النهاية ستتوقف عن ذلك بسبب تلامس المدّ والجزر وبفعل ذات القوانين التي تجعلها اليوم تُشرق. تصوّرٌ كهذا كان عصيّاً على العقل القروسطي الذي لم يستطع فهم القوانين الطبيعية إلا كأحداث دائمة؛ فما كان غير مُعتاد أو ما لا يحدُث باستمرارٍ كان يُعزى للإرادة الإلهية المباشرة، ولا يُعتبر سبباً لأيٍّ من القوانين الطبيعية.

كان كلّ شيءٍ في السماء منتظماً. وعلى الرغم من أن الخسوف بدا كاستثناء في وقتٍ من الأوقات مما سبب رعباً أسطورياً، لكن تمّ تقنينه على يد القساوسة البابليين. والشمس والقمر والكواكب والنّجوم مضت عاماً بعد عامٍ تفعل الشيء نفسه الذي تفعله دائماً؛ فلمْ يتم ملاحظة أيٍّ جديدٍ يطرأ عليها، والمألوف منها لم يفنى. ونتيجةً لذلك، فقد جاء الاعتقاد بأن كلّ شيءٍ فوق الغلاف الجوي خُلق مرّةً واحدةً كاملاً كما حباهُ الرّب؛ فالنمو والانحلال كانا محصورين في أرضنا، وهما جزءٌ من العقوبة على خطيئة أبوينا. فبحكم كون النيازك والمذنّبات متحرّكة فلا بد أنها تقع ضمن الغلاف الجوي للأرض، أي تحت القمر. وبالنسبة للنيازك فقد كانت هذه النظرة صائبة؛ أما بالنسبة للمذنّبات فقد كانت خاطئة. حافظ اللاهوتيّون على وجهتي النظر هاتين (أي أن المذنّبات كانت منذرةً وأنها ضمن الغلاف الجوي للأرض) بحماسةٍ شديدة. فمنذ القدم اعتُبرت المذنّبات دائماً مُنذرةً بالكوارث. وهذه النظرة مأخوذةٌ بشكلٍ مفروغٍ منه في مسرحيّتي يوليوس قيصر وهنري الثامن مثلاً لشكسبير. بل أن البابا كاليكتوس الثالث، والذي تولى الفترة من ١٤٥٥م حتى ١٤٥٨م وكان منزعجاً جداً من احتلال الأتراك للقسطنطينية، ربط بين هذه الكارثة وظهور مُذنّبٍ عظيم، وأمر بتخصيص أيامٍ من الدعاء من أجل أن “يقلب الرّب البلاء الذي قُدّر للمسيحيين نحو الأتراك.” بل وتمّ إضافة هذا الجزء للابتهالات: “حررنا يا إلهي من الأتراك ومن المُذنّب.” وفي كتابه لهنري الثامن عام ١٥٣٢م يوم رأى مذنّباً، كتب كرانمر: “ما أغرب الأشياءَ التي تبشّرُ هذه الأمور بحدوثها، يعلم الرّب أنها لا تظهر إلا بسبب خَطبٍ عظيم.” وفي عام ١٦٨٠م حين ظهر مُذنّب غير مألوف، أعلن رجل دين اسكتلندي قوميّ بشكل يثير الإعجاب أن المذنّبات “دلائل من لدن حكمةٍ بالغةٍ لأراضينا المليئة بالمعاصي، فلم يكن الإله يوماً غاضباً بهذا الشكل من الناس.” وربّما كان رجل الدين هذا يتبع (بغير قصد) السلطة اللوثرية التي أعلنت: “يكتب الوثنيّ أن المذنّب يظهر بمسبباتٍ طبيعية، لكنّ الإله لم يخلق أياً منها مما لا ينبّئ بكارثة.”

وبرغم جميع الفروقات بينهما، إلا أن الكاثوليك والبروتستانت كانوا على وفاقٍ حول المذنّبات. ففي الجامعات الكاثوليكية اضطرّ علماء الفلك لاتخاذ قَسَمٍ منافٍ للنظرة العلمية للمذنّبات. وفي عام ١٦٧٣م، نشر الأب أوغسطين آل أنجيلس (عميد الجامعة الكليمنتية بروما) كتاباً في علم الظواهر الجوية، وفي معرضه ذكر أن “المذنبات ليست أجراماً سماوية، بل أنها تنشأ في الغلاف الجوي للأرض أسفل القمر، فكل ما هو سماويّ أبديّ وغير فاسد، ولذلك فالمذنّبات لا يمكن أن تكون أجراماً سماوية.” وقد قال ذلك رفضاً لتيخو براهي الذي أعطى أسباباً وفيرة للاعتقاد بأن مذنّب عام ١٥٧٧م كان فوق القمر، وقد دعم كيبلر ذلك لاحقاً. وقد برر الأب أوغسطين الاضطرابات في حركة المذنّبات بافتراض أنها تنتج عن ملائكة عيّنهم الرب لهذا الغرض بالتحديد.

وكان أحد المُدخلات في يوميات رالف ثورسباي عام ١٦٨٢م نوعاً من التسوية البريطانيّة جداً، وهو العام الذي ظهر فيه مذنّب هالي بما أتاح للعلماء حساب مداره. فقد كتب ثورسباي: “إلهي، هيئنا لأي تغييرٍ يُبشّر به؛ فعلى الرغم من أنني لستُ جاهلاً أن مسببات النيازك طبيعية، إلا أنها تُنذر عادةً بخطبٍ في الطبيعة.”

والدليل النهائي على أن المذنّبات كانت عرضةً للقوانين الطبيعية وأنها لم تكنْ في الغلاف الجوي للأرض جاء عن طريق ثلاثة رجال. الأول سويسري اسمه دويرفل وقد أظهر أن مدار مذنّب عام ١٦٨٠ كان تقريباً في شكل قطعٍ مكافئ؛ والثاني هالي الذي أظهر أن مذنّب عام ١٦٨٢ (والذي سمّي تيمّناً به لاحقاً) هو نفسه الذي سبب الرعب عام ١٠٦٦ ويوم سقوط القسطنطينية، ومداره إهليلجي يبلغ طول دورته ٧٦ عاماً تقريباً. وفي مبادئه، أظهر نيوتن عام ١٦٨٧ أن قانون الجاذبيّة يُفسّر بشكلٍ مرضٍ حركة المذنّبات مثلما يُفسر حركة الكواكب. أما اللاهوتيّون الذين أرادوا للمذنّبات أن تكون نذوراً فقد اضطروا لتعويض ذلك بالزلازل والبراكين، إلا أن هذه الكوارث لا تنتمي لعلم الفلك، بل لعلمٍ مختلف وهو الجيولوجيا والذي تطور لاحقاً وكانت له صراعاته الخاصة مع الدوغما الموروثة من العصور الجاهلية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s