الخطر التركي – الكاردينال بسّاريون

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

الخطر التركي – الكاردينال بساريون

الكاردينال بسّاريون
الكاردينال بسّاريون

لتحميل المقالة في ملف PDF يرجى الضغط على الرابط أدناه:

الخطر التركي – الكاردينال بسّاريون

١٣ يوليو ١٤٥٣

إلى فرانشيسكو فوسكاري، رئيس قضاة البندقية

يا حاكمي المجيد والعظيم، لقد أرجأتُ حتى هذا اليوم أن أعهد لسيادتكم بقسطنطينيّتي التعيسة والوضيعة. وقد قمتُ بذلك لأنني كنتُ إلى حد ما مُقيداً بخجلي الإقليميّ لئلا يبدو أنني أسعى لربحٍ شخصيٍّ من وراء سؤالي شيئاً لأجل رفعتها وتحسين أحوالها. وقد أحجمتُ عن ذلك أيضاً لأن مجلس الشيوخ التابع لك والمعروف بكونه رحيماً بكلّ المُعذّبين قد قام بإعداد إعاناتٍ ومساعداتٍ هائلة بحيث يجزمُ الشاكّ أنها كافيةٌ، بل أكثر من كافية، لأجل الحفاظ على المدينة وصدّ البرابرة عن أسوارها واحتواء هجمات عدوٍّ هو الأشدّ وحشية. ليتها إذن صَمَدتْ في الوقت المُلائم! وليت أنّا لم نُجرّد من الأمل ونُخدع من قِبَل تقديراتنا! لكن الواقع أن ذلك لم يكن جرّاء أي تقصيرٍ من طرفكم أنّه في وقت الأزمة العصيبة لم يكن هُناك ظل.

وبسبب قُربِ العدوّ وهذا التوقيت المنحوس من العام وإرادة القدر، فبينما كان أسطولك في منتصف الطريق، وبينما كانت الإمدادات النشيطة ضدّ العدو تُقبِلُ وسط الآمال بالنّصر، فقد حدث أن البرابرة احتلّوا المدينة في ٢٩ مايو ١٤٥٣. هذه المدينة التي كانتْ محميّةً بشدّة من قِبَل موقعها وأسوارها وتعزيزاتها وبجميع أنواع الدفاعات، هذه المدينة التي كان يُرجى أنّها تستطيع مواجهة حصارٍ لعامٍ كامل، دمّرها البرابرة وأسقطوها. إنّ هذا لأمرٌ فظيعٌ يتحسّر عليه كُلّ من يمتلك في قلبه ذرّةً من الإنسانية، والمسيحيّين خصوصاً.

ما أحقرني! لا أستطيع كتابة هذه الرسالة بدون حزنٍ عميق. مدينةٌ ما أشدّ ازدهارها، بحضارةٍ عظيمة والعديد من الرجال المجيدين، وعوائل معروفةٌ وعريقةٌ، عامرةٌ، وزعيمةٌ لليونان بأشملها، عَظَمةُ وفخرُ المشرق، مدرسةٌ بأفضل الفنون، ملاذٌ لكل ما هو حَسَن، وها قد احتُلّتْ ونُهبتْ وخُرّبتْ وأُفسدت كليّاً من قبل البرابرة اللا-إنسانيين وأشد الأعداء همجيّة ضد العقيدة المسيحية وأوحش البهائم المسعورة.

المال العام تمّ صرفُه، والثروات الشخصيّة دُمّرت، والمعابد جُرّدت من الذهب والفضة والجواهر وآثار القدّيسين وغيرها من الحليّ الثمينة. ذُبحَ الرجال كالأنعام، وخُطفتْ النساء، واغتُصبتْ العذراوات، وأُخذت الأطفال من أيدي آبائهم. والناجي من هذه المذبحة العظيمة صار عبداً يُساق مكبّلاً بالسلاسل كي يتمّ افتداؤه بالمال أو يُعذّب بأشدّ أنواع العذاب، أو يصبحَ خادماً ذليلاً. مزاراتُ ومقامات القديسين دُنّستْ بالشتائم والسياط والدماء وبكلّ الأعمال المخزية. جعلوا كنائس الرب مخيّماتٍ لهم، وقد قاموا فيها بتعرية قدسيّته! ما أتعس وأوضع ما آلَتْ إليه المدينة من تحوّل! أياً كان من يقرأ هذه الرسالة جاهلاً بما حدث فلن يصدّق ما جرى من أمور.

لكنني لا أودّ البكاء على مدينة آبائي إليك؛  فإنّ هذه الأمور ربما تكون معروفةً لديك أكثر مني ولئلا أتسبب في إعادة فتح جروحك التي قَدّرتْ لها الأقدارُ مشاركة مآسينا. حُوصر العديد من مواطني البندقية وأكثر الناس نُبُلاً وعديدٌ من الشّرفاء في تلك المدينة. ليتهم نالوا حظاً أفضل مما نلنا. لكن بحكمِ وقوعهم في ذات المعمعمة، فيُخشى أنّهم لاقوا المصير ذاته.

لكن بالنسبة لي فقد أُعطيت فُرصةً لالتماس العون ليس لأرض آبائي وليس لصلاح مدينتي، بل لأمن الجميع ومن أجل عزّ المسيحيين. وبهذه المناسبة فأستطيعُ أن أشرح بالتّفصيل كمّية الأخطارِ التي تحيطُ بإيطاليا والبقاع الأخرى إذا لم يتمّ إيقافُ هجمات البرابرة الوحشيين العنيفة. لكنني لستُ متأكداً فيما إذا كنتُ أعرف هذه الحجج أكثر من مجلس الشيوخ التابع لك. وهذه الرسالة قريبةٌ من الختام، ولذا سأختصر كلّ ما عدا هذا الأمر. سيحدث أحدُ الأمرين: فإمّا أن يقوم سموّك وغيرك من الحكام المسيحيين بكبح وسحق وحشيّة (إن لم يكن جنون) هؤلاء البرابرة في بدايتها من أجل حماية أنفسكم وأخذ المبادرة الهجومية ضد العدو؛ أو أنّ البربريّ وقتما نال السيادة على ما تبقى من اليونان وجزيراتنا وبانونيا وإليريكيوم فإنه سيضعُ العلاقات الإيطالية في أزمة خطيرة.

ليس هُناك من لا يأمل أن الحكّام المسيحيين سيبادرون ويُعجّلون بالهجوم حين يُدركون أهمية الأسباب وخطورتها وجديتها وإلحاحها. ستكون أعمالهم للمصلحة العامّة وللديانة المسيحية ولإجلال المسيح، خصوصاً إذا ما تمّ استدعاؤهم من قِبَل سموّك ومجلس الشيوخ التابع لك ذي السلطة العليا.

ولذا أحُثّك أيها الحاكم المجيد المعروف، وأستجديك وأناشدك وأستحلفك بكلّ صلواتي أنه وقتما استتبّت الأمور بإيطاليا وانتهتْ الحروب بين الحكّام المسيحيين أنك ستُوجّه اهتمامك لأمورٍ أعظم وسترى أن العدو يجيشُ على حدود الأقاليم المسيحية مدمّراً كل شيء بوحشيّة.

لِمَ تظنّ أن البربريّ مضى قُدُماً بهذا التعجرف؟ سبب ذلك بلا شكّ أنه أدرك أن الحكّام المسيحيين حين شنّوا الحروب على بعضهم أنهم لطّخوا أيديهم بدماء شعوبهم ودنّسوا أسلحتهم بدم المسيحيين. هذه الأمور تجعل العدوّ جسوراً، وبالاعتماد على ذلك فقد اعتدى مؤخراً على اليونان واحتلّها ونهبها ودمّرها. لكنه وقتما يُدرك أن عداواتنا قد انقَضَتْ وبأن الحكام المسيحيين سيتحدون ويتواءمون من أجل الدفاع عن الديانة المسيحية، فصدّقني؛ فإن العدو لن يمتنع فقط عن غزو الأراضي الغريبة عنه، بل سينسحب لمكانٍ ما في أراضيه بحيث يتمكن من الدفاع عنها بشكلٍ مناسب.

انهض إذن أيها الحاكم المعروف، وحين تُخْمَدُ الأحقاد بين المسيحيين (وهذا الأمر سيكون سهلاً على سلطتك وحكمتك بالِغَتي التأثير) استيقظ، استيقظ حالاً، واستنهض أرواح المسيحيين المُسالمة والهادئة. حُثّهم، تحدّاهم، استجلبهم لصفّك قبل أن يأخذ العدو شبه جزيرة بولوبونيسوس من أجل أن يُكرّسوا أنفسهم للثأر من وحشية البرابرة، ومن أجل تدمير عدو العقيدة المسيحية، ومن أجل استعادة المدينة التي كانت تنتمي قبلاً لجمهوريّتك والتي ستُصير إليك مجدداً وقتما حُقّق النصر. لا شيء تَفعلُه سيكون أكثر إرباحاً لإمبراطوريتك ونافعاً لإيطاليا ولعموم المسيحيين؛ لا شيء سيكون أكثر قبولاً للإله السرمديّ؛ لا شيء سيجلب عزّاً أكثر لسُمعتك. إذا عَلِمَ سموّك بأي شيءٍ تستطيعُ ضآلة منزلتي أن تُشارك به في هذه المهمة إما بتهدئة نفوس شعبنا أو بمناشدتهم لشنّ حربٍ على البرابرة، فلن أوفر جهداً ولا همّاً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s