نظام ملكي أم جمهوري؟ – بالديسار كاستيليوني

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق  الرابط أدناه:

نظام ملكي أم جمهوري؟ – بالديسار كاستيليوني

بالديسار كاستيليوني
بالديسار كاستيليوني

هذه الجزئية مُقتطعة من “The Book of Courtier” لبالديسار كاستيليوني (١٤٧٨-١٥٢٩). كاستيليوني كان إنسانيّاً (Humanist) وجندياً ودبلوماسياً، وقد قضى أغلب حياته المهنية في خدمة دوقات أوربينو. ويجب ملاحظة أن كاستيليوني في حديثه عن الحكومة الملكيّة يُفرّق بينها وبين الحكومة الاستبدادية، ولا يعتقد أن الأولى تستلزم الثانية.

“سيّد أوتاڤيانو، ما هو برأيك شكلُ الحكومة الأمثل والذي قد يُعيد فترة العصر الذهبي التي ذكرتَها: هل هي حكومةٌ أميريّةٌ فردية؟ أم حكومةٌ جمهوريةٌ فاضلة؟”

ردّ السيد أوتافيانو: “أفضّل دائماً حُكْمَ أميرٍ فاضلٍ لأن هذا النوع من الحكومة مُتوائمٌ مع الطبيعة. وإذا ما كان من الممكن مقارنة توافه الأمور كهذه بالـ [عظمة] اللانهائية، فهي [أي حكومةُ الأميرٍ] مشابهةٌ للإله؛ فهو يحكم الكون بمفرده. لكن لنترك هذا جانباً؛ أنت تلاحظ أنّه في جميع الاستحداثات الإنسانية كالجيوش والأساطيل والمباني وغيرها، فالكلّ يرجِعُ إلى فردٍ واحدٍ هو من يدبّر الأمور كما يشاء؛ وبشكلٍ مشابه، فجميع الأعضاء في أجسادنا تمارس وظائفها تحت إمرة الدماغ. بالإضافة إلى ذلك، يبدو ملائماً أكثر أن يُحكَمَ الناسُ بذات الطريقة، أي برأسٍ واحد، وكذلك هو حال كثيرٍ من الحيوانات التي تعلّمها الطبيعةُ أن الطاعة هي أكثر الأمور فعّالية. لاحظْ كيف أن الغزلان وطيور الغرانيق وغيرها من الطيور دائماً ما تختار لنفسها قائداً واحداً تتبعهُ وتطيعهُ في هجراتها؛ والنحل يُطيع ملكته باحترامٍ كما لو أنه يعقلْ؛ كما تفعل غالبية البشرية الملتزمة بالقوانين. وعبر كل هذا أستنتجُ بلا شكٍّ أن حكومة الأمير أكثر تواؤماً مع الطبيعة من الحكومة الجمهورية.”

وهنا أشار بييترو بيمبو: “لكن بما أن الإله وهبنا الحرية، يبدو لي أنه من الخطأ أن تُسلبَ منا أو أن تكون حصّةُ فردٍ واحدٍ [من الحرية] أكبر من غيره. فهذا ما يحدث في الحكومات الأميرية التي غالباً ما تُبقي رعاياها تحت مراقبةٍ شديدة. بينما الحرية دائماً ما تُصان في الحكومات الجماهيريّة. وبالإضافة إلى ذلك، ففي الأحكام والمُشاورات، غالباً ما يكون رأي الفرد الواحد أكثرُ عرضةً للخطأ من الجماعة؛ فالفرد أكثر عرضةً من الجموع لفقد اتزانه بسبب الغضب أو النقمة أو الشهوة، فهي [أي الجموع] مثل كميةٍ كبيرةٍ من الماء، حيث تكون أقلّ عرضةً للتلوّث من كميةٍ صغيرة. ويجب أن أضيف أنني غير مقتنعٍ أن أمثلتك التي طرحتها عن عالم الحيوان قابلةٌ للتطبيق؛ فالغزلان والغرانيق وغيرها لا تُفضّل غالباً أن تتبع وتطيع قائداً واحداً؛ بل على العكس تماماً، فطبائعهم تتعدد وتتغير، والصلاحيّة التي يعطونها لأحدهم اليوم يعطونها لغيره غداً، ولذا فهم أقرب للجمهورية منهم للملكيّة. أجل! حين يكون الآمرون أحياناً طائعين أحياناً أخرى، فهذا ما يمكن تسميته بالحرية وسط [أفرادٍ] متساوين حقاً. وبشكلٍ مشابه، مثال النحل لا يبدو لي ذي صلة؛ فملكتهنّ ليست من نفس فصيلتهم. ولذلك فمن يتمنّى أن يُعطي البشرية حاكماً أهلاً لذلك فلا بد أن يختاره من فصيلة أخرى ذات طبيعةٍ أسمى منها من أجل تكون [البشرية] عاقلةً بشكلٍ كافٍ لاتباعه، مثلما تتبع القُطعان راعياً من فصيلة البشر الأسمى منها وليس حيواناً من نوعها. وعطفاً على ما ذكرتُهُ يا سيّد أوتاڤيانو، فإني أرى أن الجمهورية مرغوبٌ بها أكثر من الملكيّة.”

أجاب السيّد أوتاڤيانو: “من أجل نقض استنتاجك سأستعرض دعوى واحدة، هناك ثلاثة أشكال أساسية للحكومة السليمة: الحكومة الملكيّة، وحكومة الأخيار (في الأزمنة الغابرة يُطلق عليهم الـOptimates)، وحكومة المواطنين. أما الأشكال الفاسدة والفوضوية لكلٍّ من هذه الأنظمة -حين ينتشر الفساد- فهي الاستبداد (مقابل الملكية)، وحكومة القلّة القوية (مقابل الأخيار)، وحكومة العامّة (مقابل المواطنين)، وكلها تدمّر المؤسسات وتسّلم السلطة التامة لحكم الجموع. ومن بين هذه الأشكال الثلاثة الفاسدة للحكومة، فلا شكّ أن الاستبداد هو الأسوأ كما يَثْبُت من حججٍ عديدة، وذلك يقتضي أن الحكومة الملكيّة هي الأفضل من بين الأشكال الثلاثة السليمة بحكم أنها نظيرةٌ للأسوأ. فكما تعلم، النقائض تُثمر عن نتائج معاكسة. وبالنسبة لما قُلتَه عن الحرية، أقول أنّه من غير المفترض أن يقال أنّ الحرية الحقيقية هي المعيشة كما يشاء الفرد، بل الحرية هي في العيش تحت قوانين جيدة.

وليست الطاعة أقل فائدةً وطبيعيةً وضرورةً من إصدار الأوامر؛ وبعض الأمور اختلقتها الطبيعة ونظّمتها بحيث تُطاع، كما توجد أمورٌ غيرها بحيث تُصدر لها الأوامر. بالطبع هناك طريقتان لممارسة الحكم: الأولى استبدادية وعنيفة (كحكم الأسياد على عبيدهم وحكم الروح على الجسد)، والثانية معتدلة وأكثر لطفاً (كحكم الأمراء الجيّدين على مواطنيهم عن طريق القانون وحكم العقل على الشهوات). هناك العديد من الأفراد المعنيّون فقط بالأنشطة الجسدية، وهم يفترقون عن أولئك المنغمسين في الأمور الفكرية كما تفترق الروح عن الجسد. لكنهم [أي المعنيون بالأنشطة الجسدية] كمخلوقاتٍ عاقلةٍ يتشاركون [مع المفكرين] في العقل بحيث يستطيعون تمييزه، لكنهم لا يمتلكونه بأنفسهم أو يستفيدون منه. هؤلاء إذن عبيدٌ بشكلٍ جوهري، ومن الأفضل لهم أن يُطيعوا بدل أن يُصدروا الأوامر.”

فقال السيّد غاسبيري: “إذن بأي طريقةٍ يُحكم غير العبيد الذين يمتلكون مِلْكَةَ الحكمِ والعقلِ بالطريقة التي ذكرتها؟”

ردّ السيد أوتاڤيانو: “يُحكمون بعدالة الحكومة الملكية الدستورية. بل من المستحسن أحياناً إشراك هؤلاء الأفراد في الدوائر المحلية للحكومة بما تسمح به قدراتهم، بحيث يتمكنّون من إصدار الأوامر وإرشاد أولئك الأقل حكمةً منهم، ولكن بطريقةٍ تظلّ بها سلطة الحاكم هي العليا. وكما زعمتَ بأن فساد فردٍ واحدٍ أسهل من فساد الجماعة، أزعمُ أيضاً أنه من الأسهل إيجادُ فردٍ صالحٍ وحكيمٍ من إيجاد جماعةٍ صالحةٍ وحكيمة. ومن المُفترض أن حاكماً من سلالةٍ نبيلةٍ يستطيع أن يكون صالحاً وحكيماً ومائلاً للفضائل بطبعه الغريزي وبمثال أسلافه، ومروّضاً للتفوق في حكمه. وحتى إن لم يكن من فصيلة أسمى منا (كما ذكرتَ عن النحل)، فبمساعدة إرشادات وتعليمات حاشيته الحذقة التي جُعلت حصيفةً وصالحة، فسيكون [أي الحاكم] عادلاً وعفيفاً وحنيفاً وقوياً وحكيماً، بالإضافة لكونه متشبّعاً بالانفتاح والدين والأناة؛ وباختصار، فسيحوز المجد والفضيلة عند البشر والإله والذي عبر نعمته [أي نعمة الإله] سيكتسب الفضيلة الملحميّة التي ترفعه فوق الحدود البشرية، وبدل اعتباره فرداً فانياً فبالأحرى اعتباره نصف إله. وبدلاً من الحكّام الذين يسعون لمحاكاة الإله باستعراض سلطتهم وفرض محبّتهم على الناس، فإن الإله يبتهجُ بأولئك الذين يسعون لتمثيل حكمتهِ وصلاحهِ عن طريق السعي بنجاحٍ لخدمته ومشاركة البشرية بالفضائل والهبات التي منحها الإله لهم، بغضّ النظر عن حجم السلطة التي يمتلكونها. ولذلك كما أن الشمس والقمر والنجوم في السماء تُعكُس صورة الإله كالمرآة، ففي الأرض أيضاً هناك صورةٌ واقعيةٌ أكثر تتجلى عبر هؤلاء الحكام الصالحين الذين يحبّون الإله ويبجّلونه ويعكسون للناس نورَهُ وعدالته مترافِقَين بمثال جوهره الإلهي وحكمته. برجالٍ كهؤلاء يُشاركُ الإله بِرّه وإنصافَه وعدلَه بالإضافة لنعمٍ أخرى لا تُحصى، والتي تُعتبر دليلاً أوضح على الألوهية من ضوء الشمس أو الحركة المستمرة للأجرام السماوية وحركات النجوم.

ولذا، فقد عَهِدَ الإله بحماية البشرية إلى الحكام الذين من المفترض أن يعتنوا بأن يُسدوا إليه اعتباراً جيداً بأنفسهم، تمامً كما يفعل الخُدّام الجيدون لأسيادهم، بمحبتهم وباعتبار كل خيرٍ أو شرٍّ كأنما أصابهم، وبالسعي من أجل إسعادهم فوق كل اعتبار. فالحُكّام من المفترض ألا يهتموا بصلاح حال أنفسهم، بل بصلاح حال الآخرين أيضاً، تماماً كمسطرة البنّائين التي هي مستقيمةٌ في حد ذاتها وتهتم أيضاً بجعل كل شيء آخر مستقيماً. وهو دليلٌ مفحمٌ أن الحاكم يكون صالحاً إذا كان رعاياه صالحون، فالطريقة التي يعيش فيها الحاكم تُعتبر مثالاً ودليلاً للمواطنين، والطريقة التي يتصرف بها تحكم بالضرورة كيف يتصرّف الآخرون؛ فإنه لا يمكن لفردٍ جاهل أن يُعلّم غيره، ولا لفردٍ غير نظامي أن ينظّم شؤون الآخرين، ولا لفردٍ ساقطٍ أن يجعل الناس ينهضون. ولذا، فالحاكم إذا ما قام بواجباته بالشكل المطلوب، فعليه أن يعتني ويجهد من أجل اكتساب المعرفة، ثم يجب عليه أن يؤسس نفسه على حكم العقل وألّا يحيد عنه (ليس فقط عن طريق كتابته على الورق أو المعدن، بل بأن يكون محفوراً في روحه)، بحيث لا يكون اعتياديّاً بالنسبة له وحسب، بل يكون جوهريّاً في طبعه، وأن يعيشه جزءاً من ذاته. بهذه الطريقة وبمرور الزمن ولكل زمانٍ ومكانٍ، فسيحذّره [أي حكم العقل] ويحدّث عقله، مبعّداً إياه من الاضطرابات التي تسببها تلك الأرواح المتطرّفة التي رُزيت بخبل الجهل وبهيجان رغباتها العمياء والفاسدة بحيث صارت مصابةً بسعارٍ لا يتركها سالمة، تماماً كالكوابيس التي تأتي أثناء النوم أحياناً.

وبالإضافة إلى ذلك، كلما ازدادت السلطة التي يتمتع بها الشرّ كلما تمكنتْ من إلحاق ضرر أكبر، وإذا استطاع الحاكم صنع ما يشاء فهناك خطرٌ كبيرٌ في أن يرغب بما لا يُفترض به. ولذا فقد كان باياس محقاً حين قال أن المحكّ هو كيفية التزام الفرد في منصبه. فكما أنّه لا يمكن الانتباه لكسر مزهريةٍ ما دامت خاليةً من الماء بل حين تُملأ به، فالأرواح الفاسدة والسافلة لا تتكشّف إلا حين تمتلئ بالسلطة. فوقتها ستُثبتُ [الأرواح] أنها غير قادرةٍ على تحمل أعباء السلطة، فتنهارُ وتسيلُ من كل صوبٍ بالجشع والخيلاء والغضب والعجرفة وجميع الغرائز الطغيانية الكامنة في أنفسها. وبدون أي عائقٍ ستُحاسبُ [الأرواح] أولئك الصالحين والحكماء، وتُعلي من شأن الخسيسين، وفي مدنها لن يكون هناك تقبّلٌ للصداقات ولا للمجتمعات ولا للمصالح العامة للمواطنين، بل بدلاً من ذلك سترعى الجواسيس والمُخبرين والقتلة من أجل صنع الرعب وتحويل الأفراد لجبناء، وتبذرُ الشقاق من أجل أن تبقي الناس متفرقين وضعفاء. هذه السبل تجلب للبؤساء فساداً وأذىً لا-نهائيين، وغالباً تَضْمنُ [أي السبل] موتاً شنيعاً للمُستبدّ أو تجعله يعيش في حالة خوفٍ مستمر. فبينما لا يخاف الحكام الصالحون على أنفسهم، بل على الناس الذين يحكمونهم، فالاستبداديون يخافون ممن يحكمون؛ ولذا كلما ازداد الناس المحكومين من قبل الطغاة كلما عاشوا في رعبٍ أكبر وزاد أعداؤهم. خذ بعين الاعتبار كيف كان كليرخوس، حاكم بونتوس المستبد، خائفاً وقلقاً كلما ذهب للساحة العامة أو المسرح أو إلى حفلٍ أو مكان عام؛ فحسبما يُروى، فقد كان ينامُ في صندوقٍ محكم الإغلاق. أو تذكر أيضاً مستبداً آخر: أرسطوديميوس الآرغوسي، والذي حول سريره الخاص إلى سجنٍ من نوعٍ ما؛ ففي قصره كان هناك غرفةٌ مُعلقةٌ في الهواء، عاليةٌ بحيث لا تُبلغ إلا بسلّم، وهناك ينام مع خليلته التي كانت أمها تُبعد السلّم في الليل ثم تعيده في الصباح. وفي كل الأمور لا بدّ أن تكون حياة الحاكم الصالح على النقيض من كل ذلك (حرّاً وآمناً)، وعزيزٌ على المواطنين كأنفسهم، ولا بدّ أن يكون فاعلاً ومتأملاً لكل ما فيه صلاح شؤون رعاياه.”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s