برمنغهام في زمن يوجين كونر – مارتن لوثر كنغ

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

برمنغهام في زمن يوجين كونور – مارتن لوثر كنغ

مارتن لوثر كنغ
مارتن لوثر كنغ

إذا زرت برمنغهام قبل الثالث من أبريل في احتفالية مئوية تحرير السود، فلربما توصلت لاستنتاج مروع؛ فلربما استنتجت أن هناك مدينة محصورة لعقود في سبات [مثل] ريب ڤان وينكل*؛ مدينةٌ يبدو أن آباءها لم يسمعوا يوماً بأبراهام لنكولن، أو توماس جيفرسون، أو وثيقة الحقوق، أو بافتتاحية الدستور، أو بالتعديلات [الدستورية] الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، أو بقرار المحكمة الأمريكية العليا في ١٩٥٤ بمنع الفصل [العرقي] في المدارس العامة.

إذا كنت تمتلك قدراتٍ تخيليةً كافيةً بحيث يمكنك أن تضع نفسك مكان طفلٍ أسود وُلد ونضج في مدينة برمنغهام، فستتصور حياتك كما يلي:

ستولد في مستشفى جيم-كرو** لأبوين غالباً ما سيكونان يعيشان في الغيتو. ستدرس في مدرسة جيم-كرو**. ليس صحيحاً أن آباء المدينة لم يسمعوا بقرار المحكمة العليا لدمج المدارس، بل سمعوا بذلك؛ ومنذ تقنينه [أي القرار] وهم يعبّرون عن معارضتهم بشكل مستمر، ممثلةً تلك المعارضة بتوقع أحد المسؤولين بأن الدم سيجري في الشوارع قبل أن يُسمح للدمج أن يصل لبرمنغهام.

ستقضي طفولتك في الشوارع بشكل رئيسي لأن المتنزهات للـ”ملوّنين” في حالة مأساوية. ولما أن جاء قرار محكمةٍ فيدراليةٍ بمنع الفصل العرقي في المتنزهات، ستجد أن برمنغهام قامت بإلغاء فريق البيسبول التابع لها كيلا تضطر إلى إدماجهم.

وإذا ذهبت للتسوق مع أمك أو أبيك، ستتثاقل خطاك وأنت تجدهم يشترون من كل منضدة بيع في المتاجر الصغيرة والكبيرة، إلا منضدة واحدة. وإذا ما كنت جائعاً أو عطشاناً فستضطر لتجاهل ذلك حتى تعود إلى منطقة السود في المدينة؛ ففي مدينتك، تقديم الطعام للسود في ذات المنضدة مع البيض كان يُعتبر مخالفاً للقوانين.

إذا كانت عائلتك تذهب للكنيسة، فستذهبون لكنيسةٍ للسود. وإذا ما رغبت بزيارة كنيسةٍ يحضرها البيض فلن يكون مرحّباً بك. فعلى الرغم من أن زملاءك المواطنين البيض مصرّون على أنهم مسيحيون، فهم يمارسون الفصل العرقي في بيوت الرب مثلما يمارسوه في مسارح العرض.

إذا كنت تحب الموسيقى واشتقت لسماع أوبيرا الـMetropolitan في جولتهم بالجنوب، فلن تتمكن من نيل هذه الميزة. ولا حتى محبّو الموسيقى البيض ينالونها؛ فالـMetropolitan ألغوا جدولة برمنغهام في جولتهم حول الوطن بعد أن تبنوا سياسةً بعدم العزف أمام جمهورٍ مفصولٍ عرقياً.

إذا ما أردت المشاركة في عمل النقابة الوطنية لإنماء الناس الملونين، فلن تتمكن من الانضمام للفرع المحلي؛ ففي ولاية ألاباما، نجحت السلطات المؤمنة بالفصل العرقي في منع النقابة من القيام بواجباتها المدنية عبر الإعلان بأنها “شركة أجنبية” ومن ثم الحكم على أعمالها بأنها غير قانونية.

وإذا أردت الحصول على عملٍ في هذه المدينة (وهي إحدى أكبر مراكز إنتاج الحديد والفولاذ في الدولة) فمن الأفضل لك الاكتفاء بالقيام بأعمالٍ وضيعةٍ، كأن تكون بوّاباً أو عاملاً يدوياً. وإذا ما حالفك الحظ في الحصول على عمل، فتوقع أن الترقيات لوضعٍ أفضل وراتبٍ أكبر ستأتي، ولكن ليس لك؛ بل لموظفٍ أبيض بغض النظر عن مقارنة مواهبكم. وفي عملك، ستتناول طعامك في مكانٍ مفصول، وستشرب من نافورة ماء وتستخدم حماماً مبوّب بـ”للملونين” اتباعاً لأوامر عمومية.

إذا ما صدّقت كتب التاريخ وتصوّرت أمريكا كدولةٍ مسؤولوها الحكوميون (سواء على مستوى المدينة أو الولاية أو الدولة) قد تم اختيارهم من قِبَل الحاكم، فستصاب بحيرةٍ إذا ما حاولت ممارسة حقك والتسجيل من أجل الانتخاب. وستُواجَهُ بكل عائقٍ ممكنٍ وُضعَ لإيقاف الأمريكي الأسود من أن يخطو أهم خطوةٍ يستطيعها اليوم؛ فمن الـ٨٠,٠٠٠ ناخب في برمنغهام قبل يناير ١٩٦٣، ١٠,٠٠٠ فقط كانوا من السود. فعرقك الذي يكوّن خُمسَي سكان المدينة لا يشكّل إلا ثُمن قوّته الانتخابية.

ستعيش في مدينةٍ حيث الوحشية ضد السود كانت واقعاً لا يمكن التساؤل حوله ولا تحديه. وأحد مندوبي المدينة، وهو عضو في جهاز الشؤون البلدية كذلك، هو يوجين كونر والملقب بالثور؛ وهو عنصريٌّ يفتخر بقدراته على التعامل مع السود ووضعهم في أماكنهم. كمندوبٍ للسلامة العامة، الثور كونر أظهرَ ازدراءً شديداً لحقوق السود مثلما أظهر تحدياً لسلطة الحكومة الفيدرالية؛ وذلك لكونه محصناً لسنين طويلة بمنصبٍ مهم في بنية السلطة ببرمنغهام،

وقد كنتَ ستجدُ عموماً بيئةً من العنف والوحشية في برمنغهام. فالعنصريون المحليون أرعبوا وتعصبوا ضدّ بل وقتلوا السود بلا رادع. وأحد الأمثلة الواضحة مؤخراً للرعب في برمنغهام كان إخصاء رجلٍ أسود، وقد تم رمي جسده المشوه على قارعة طريقٍ مهجور. لم يتم حماية أي منزل للسود من التفجير والحرق. فمنذ ١٩٥٧ حتى يناير ١٩٦٣، كان هناك سبعة عشر قضية لم يتم حلها حول تفجير كنائس ومنازل لناشطين مدنيين، على الرغم من مزاعم برمنغهام حول كون السود فيها “قنوعين.”

لم يكن السود الوحيدون الذين عانوا من سياسات الثور كونر. بل أن المندوب ذاته في ١٩٦١ قد اعتَقلَ مدير محطة الحافلات المحلية بعد أن سعى الأخير لإطاعة قانون الأرض وخدمة السود. وعلى الرغم من أن قاضياً فيدرالياً في المقاطعة أدان كونر بحدة وأطلق سراح الضحية، فالواقع أن برمنغهام في أوائل ١٩٦٣ كانت خاليةً من أي وسائل ترفيه متكاملة ما عدا محطة الحافلات ومحطة القطار والمطار. 

في برمنغهام كونر، كلمة السر الصامتة كانت الخوف. ولم يكن خوفاً من طرف المظلومين السود وحسب، بل حتى في قلوب الظُلّام البيض. الشعور بالذنب كان جزءاً من خوفهم. وكان هناك أيضاً التوجس من التغيير؛ فكل الخوف السائد الذي يُرعب هؤلاء تقوّى عبر شتاءٍ قاسٍ من ردة الفعل. كثيرون كانوا مدركين للنبذ الاجتماعي. بالطبع فقد كان في برمنغهام أيضاً بِيضٌ معتدلون لم يوافقوا كونر في أفعاله. بل كان في برمنغهام أيضاً بيضٌ يكرهون المعاملة السيئة تجاه السود سراً؛ لكنهم بقوا صامتين في العلن. فقد كان صمتاً متولداً من الخوف؛ الخوف من الانتقام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. المأساة الكبرى في برمنغهام لم تكن وحشية الأشرار، بل صمت الأخيار.

ستعيش في برمنغهام بمجتمعٍ حيث أَجْبرَ طغيان الرجل الأبيض أُناسَكَ على الإذعان، ودفعتهم للتخلي عن الأمل، وجعلتهم يطورون حساً وهمياً بالحقارة. ستعيش في مدينةٍ حيث ممثلو السلطتين الاقتصادية والسياسية يرفضون حتى مجرّد الحديث حول العدالة الاجتماعية مع القادة من ناِسكَ.

ستعيش في أكبر مدينةٍ بوليسية، ويحكمها حاكم -جورج والاس- تعهّد في تعيينه قائلاً: “الفصل [العرقي] اليوم، الفصل غداً، والفصل للأبد!”

ستعيش في الواقع في أكثر مدينة مفصولة عرقياً بأمريكا.

—————–

* ريب ڤان وينكل هو الشخصية الرئيسية في قصة قصيرة تحمل اسمه للكاتب واشنطن إيرڤنغ.

** المقصود بذلك أن المؤسسة تتبع قوانين الفصل العرقية والمعروفة بقوانين جيم-كرو.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s