التوظيفات السياسية للدين – نيكولو ميكيافيللي (الجزء الثاني)

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

التوظيفات السياسية للدين (٢) – ميكيافيللي

نيكولو ميكيافيللي
نيكولو ميكيافيللي

هذا الجزء الثاني من المقالة، للاطلاع على الجزء الأول يُرجى الضغط هنا

١٣. كيف استخدم الرومان الدين في إعادة تنظيم المدينة، وشنّ حروبهم وخلق الاضطرابات

لا يبدو -بالنسبة لي- خارجاً عن مقصدي أن أطرح بعض الأمثلة على استخدام الرومان للدين في إصلاح مدينتهم وفي شنّ حروبهم. هناك العديد من الأمثلة على ذلك في [تأريخ] “تيتوس ليفي”، لكنني سأكتفي بالتالي. شعب روما خلق منابراً بسلطة قنصلية، وجميعها [أي المنابر] ما عدا واحدٍ منها كانت بيد العامّة. في تلك السنة حل الوباء وحلت المجاعة وحدثت كوارث أخرى، وبذلك استفاد النبلاء من هذه الفرصة التي أتيحت لهم في التعيينات المنبريّة اللاحقة، وقالوا [أي النبلاء] أن سخط الآلهة قد حلّ على روما لأنهم [أي العامّة] أساؤوا استخدام سلطة روما السامية، والوسيلة الوحيدة لإعادة الأمور لنصابها هي بإعادة انتخاب أصحاب المنابر المستحقين لذلك. وبسبب رعب العامّة بهذا الاحتكام إلى الدين، فقد انتخبوا النبلاء -فقط- كأصحاب المنابر.

ويلاحظ الفرد أيضاً في حصار مدينة “في” كيف وظّف قادةُ الجيش الدينَ من أجل إبقاء الجنود مرابطين للقتال. ففي ذلك العام، ارتفع منسوب الماء في بحيرة آلبان بشكل غير طبيعي، وقد كان الجنود مرهقين من الحصار الطويل ومتلهفّين للعودة لروما يوم اكتُشف أن أبولو وغيره من الوسطاء الروحيين تنبؤوا بأن الاستيلاء على مدينة “في” سيتم في عامٍ تفور فيه بحيرة آلبان. هذه النبوءة جعلت الجنود يتحمّلون متاعب الحصار لأنهم شعروا أنهم سيستولون على المدينة حتماً. ولذا واصلوا الهجوم حتى الوقت الذي عُيّن فيه كاميليوس حاكماً وتمكن من الاستيلاء على المدينة بعد حصارٍ دام عشر سنين. إذن، فالدّين حين وُظّف بشكل لائق ساعد في الاستيلاء على المدينة وفي إعادة المنابر للنبلاء، وكلا الأمرين كان صعباً لولا هذه الوسيلة [أي توظيف الدين].

ولا بدّ ألا أنسى إضافة مثالٍ آخر ذي صلة؛ ففي روما، عددٌ من الاضطرابات نشأ بسبب تيرينتيليوس، وهو أحد أصحاب المنابر، بسبب رغبته في فرض قانونٍ معين* لأسباب ستذكر لاحقاً. أحد أول العلاجات التي لجأ إليها النبلاء كان الدين، وقد أفادهم بطريقتين: أولاً، فقد جعلوا شخصاً ما يُطالع كتب “سيبيللين”، والتي أنبأتهم أن التحريض خطرٌ سيجعل المدينة تخسر حرياتها في العام نفسه. وهذه [النبوءة] جعلت الخوف يتسلل لقلوب العامّة فامتنعوا عن اتّباع أصحاب المنابر، على الرغم من أنهم [أي أصحاب المنابر] كشفوا ذلك الدجل [أي دجل النبلاء].

الفائدة الثانية من توظيفهم للدين كانت حين قام آبيوس هيردونيوس بجمع حشدٍ تعداده آربعة ألاف رجلٍ بين المنفيين والعبيد واحتلّوا العاصمة في جنح الليل. هذا الأمر جعل الناس خائفين من قيام أعداء روما -وهم الآيكويون والفولسكيون- بالاستيلاء على روما. بالرغم من هذا، حاول أصحاب المنابر بعنادٍ دفعَ قانون تيرنتيليوس للتطبيق، زاعمين أن الهجمة المذكورة آنفاً ملفقة وغير صحيحة. بعدها قام بوبيليوس روبيريوس، وهو رجل جادٌّ ومواطن بسلطة محترمة في مجلس الشيوخ، بإلقاء خطبة نصف ودية-نصف تهديدية، موضحاً فيها المخاطر المحيطة بالمدينة وخطورة مطالباتهم [أي مطالبات أصحاب المنابر] وتوقيتها الغير مناسب. وكان لخطبته أثرٌ جلي إذ أنها جعلت العامّة تلتزم بقرارات القنصل، ونتج عن ذلك أنْ استرجع العوامّ العاصمة باستخدام القوة. غير أنّه في وقت الهجوم قُتل القنصل بوبيليوس فاليريوس، وحين عُيّن تيتوس كوينتيوس مكانَه لم يعط العامة وقتاً للراحة، بل أمرهم بالهجوم على الفولسكيين مذكّراً إياهم بالعهد الذي قطعوه بالالتزام بقرارات القنصل، ولذا فهم ملزمون باتباعه هو. أصحاب المنابر اعترضوا على القرار على أساس أن العهد قُطع للقُنصل المتوفى وليس له. إلا أن تيتوس ليفي [وهو المؤرخ الذي يستقي منه ميكيافيللي هذه الأحداث] أظهر كيف أطاع العامّة القنصل بدافع تبجيل الدين بدل أن يصدّقوا أصحاب المنابر، وباسم الأديان القديمة استخدم [أي القنصل تيتوس كوينتيوس] العبارة الآتية:

“لم تكنْ يوماً هناك غفلةٌ عن الآلهة مثلما نشاهد في يومنا، ولم يضع الأفراد العهود والقوانين تحت ضوء تفسيراتهم الذاتية.”

وهذا ما جعل أصحاب المنابر يخشون على مكانتهم فوافقوا على إطاعة القنصل هم الآخرون، ووافقوا أيضاً على تأجيل التساؤل حول قانون تيرنتيليوس لمدة عام، أما القناصل فقد وافقوا على عدم أخذ العامّة للحرب لمدة عام.

الدين إذن مكّن مجلس الشيوخ من تجاوز المصاعب، ولولاه لما تمكنوا من ذلك.

١٤. الرومان فسّروا تكهناتهم بحسب حاجتهم، وكانوا حكماء ظاهرياً بحيث راعوا الدين حين أُجبروا على إهماله، وعاقبوا الطائشين الذي سارعوا باستنقاصه

لم تكن النذور جزءاً كبيراً من أساس الأديان القديمة الوثنية وحسب، كما ذكرنا سابقاً، بل ساهمت [أي النذور] في صلاح الجمهورية الرومانية. ولذا فقد اهتم الرومانيّون بها [أي بالنذور] أكثر من أي مؤسسة ثانية بالجمهورية. فقد استخدموها في انتخابات القناصلة، في الشؤون العسكرية، في قيادة جيوشهم، في المعارك، وفي كل شؤونهم المهمة سواءً كانت عسكرية أم مدنية. فلم يُقْدِموا على أي حملة حتى يقتنعَ الجنود أن الآلهة وعدتهم بالنصر.

ومن الأمثلة على [أهمية] النذور أنهم عيّنوا في الجيش مسؤولين كانت مهمّتهم الاعتناء بالنذور، وكان يطلق عليهم مربّو الدواجن؛ فوقتما اعتزموا [أي قادة الجيش] على المضيّ في حملة ضد العدو، طلبوا من مربي الدواجن أخذ النذور. وإذا نقر الداجن فيعني ذلك أن النذر مقبول ومن ثم قاتلوا، أما إذا لم ينقر فيمتنعون عن القتال. ومع ذلك فإن العقل إذا أخبرهم بضرورة فعل شيءٍ ما، فعلوه حتى وإن عنى ذلك معاكسة النذر. وكم كانوا دهاةً [أي حين يعاكسون النذر] في كلماتهم وأفعالهم لإيجاد مخرجٍ يُظهر أنّهم وكأنهم في الحقيقة لم يفعلوا أي شيءٍ مخالفٍ للدين.

الدهاء من هذا النوع كان موجوداً لدى القنصل بابيريوس في معركة مهمة يوم قاتل السمناتيين، بعدها انتهى الأمر بهم [أي بالسمناتيين] ضعفاء ومُفرّقين. فبابيريوس حين نزل مقابل السمناتيين وبدا له أنه سينتصر حتماً، أراد اختيار يومٍ من أجل ذلك [أي من أجل المعركة]، ودعا مربّي الدواجن لأخذ النذور. لكن الداجن لم ينقر. إلا أن رئيس مربّي الدواجن لاحظ حماس الجيش للقتال وطموحهم من أجل الانتصار، ولكي لا يَحرِمَ الجيشَ من هذه الفرصة فقد أرسل خبراً للقنصل مخبراً إياه أنّ نتيجة النذر محمودة. فأمر بابيريوس الجنود بالنزول. لكنّ بعضاً من المربّين أفشوا لبعض الجنود أن الداجن لم تنقر، وبدورهم أخبروا سبيريوس بابيريوس، ابن أخت القنصل، والذي أخبر بدوره القنصل. عندئذٍ أخبره القنصل [أي أخبر ابن أخته] بالاهتمام بشؤونه الخاصة وحسب، فبالنسبة إليه [أي للقنصل] وللجيش فـ [نتيجة] النذور كانت محمودة، أما إذا ما كذب مربّو الدواجن فسيلتفت لذلك. ومن أجل تتوافق النتيجة [أي نتيجة المعركة] مع التكهّن، فقد أمر [القنصل] مندوبيه بوضع مربّي الدواجن جميعاً بالجبهة الأمامية بالجيش. ولما حان وقت الهجوم على العدو، قُتل رئيس المربّين بالخطأ برمحٍ رماه أحد الجنود الرومانيين. وحين سمع القنصل بذلك قال بأن كل شيء يسير على ما يرام ببركة الآلهة، فبموت ذلك الكاذب تطهّر الجيش ولم يعد في معرض غضب الآلهة. ولذلك، فبمعرفته [أي القنصل] لكيفية توفيق خططه مع النذور، تمكّن من منازلة العدو وهزيمته دون أن يشكّ جيشه أنه أهمل أوامر الدين بأي طريقة.

خلال الحرب القرطاجية الأولى في صقلّية، تصرف “آبيوس بولكر” بشكل مختلف. فحين شارف على نزال الجيش القرطاجي، جعل المربّين يأخذون النذور. وحين أخبروه أنها [أي الدواجن] لم تنقر، قال متعجباً: “فلنر إذا لمْ يشربوا!” وأمر برميهم إلى البحر. ثمّ خاض المعركة وخسر. ولذا فهو [أي آبيوس] مدانٌ في روما بينما بابيريوس مُبجّل؛ ليس بالضرورة بسبب انتصار الثاني وخسارة الأول، بل بسبب تعامل أحدهما بحكمة مع النذور وطيش الآخر. ولم تكن عادة اللجوء للنذور هذه تثمر عن أي شيء سوى أنها تجعل الجنود يخوضون المعركة بثقة، وغالباً ما أدت هذه الثقة إلى الانتصار. ولم يكن الرومان فقط من استخدمها [أي النذور]، بل حتى الأجانب استخدموها.

—————————————————

* قانون تيرينتيليوس كان يهدف إلى تحديد وتقليل سلطة القناصلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s