كرامة الإنسان – جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

كرامة الإنسان – جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا

جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا
جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا

هذه المقالة مُقتطعة من “بيان في كرامة الإنسان” للفيلسوف الإيطالي جيوفاني ميراندولا (١٤٦٣-١٤٩٤)

قرأتُ في حوليّات العرب القديمة، يا آبائي المبجّلين، أن عبد الله السراسنيّ حين سُئلَ عن أبدع الأشياء على مسرح العالم أجاب بأنه لا يرى أبْدَعَ من الإنسان. ويتّفق معه في رأيه قول هرمز ترايسميغستوس: “يا له من معجزة عظيمة، يا أسكليبيوس، هذا الإنسان!”

حين تأملتُ في معاني هذه الأقوال، لم ترضني أسبابُ تفوّقِ الإنسان التي يذكرها العديد من الأفراد— أن الإنسان هو الوسط بين المخلوقات، القريبُ من الكائنات العليا والسيّد لما هو أدنى منه؛ مُفسّر الطبيعة بحدّة حواسّه وفطنة لبّه ونور عقله؛ النقطة الوسطى بين الأبديّة الثابتة والزمن المتغيّر؛ وأيضاً كما يقول الفُرس، ترتيلة ترابط (أو بالأصح [ترتيلة] زواج) العالم، إلا أنه أقل مرتبة قليلاً من الملائكة بحسب شهادة داود. هذه الأسباب قيّمة فعلاً، لكنّها ليست الأسباب الأساسية التي [بسببها] يُنسب الإبداع اللامحدود [أي الإبداع في خلق الإنسان]. فلو كان كذلك، فلِم لا نمتدح الملائكة وجوقات الجنان المباركة أنفسهم؟

أخيراً، يبدو أنني فهمتُ لِمَ الإنسانُ هو الكائنُ المحظوظ المستحق لكل إعجاب، [وفهمتُ] بالضبط أي رتبةٍ يحتلّها في سلسلة الوجود الكونيّ؛ رتبةٌ تحسدها عليه البهائم والنجوم والعقول التي فيما وراء عالمنا. إنه [أي الإنسان] أمرٌ يتجاوز العقيدة والخوارق! ولِمَ لا يكون كذلك؟ فلهذا السبب [الآتي] يُعتبر الإنسان ويُدعى معجزةً عظيمةً وكائناً مستحقاً للإعجاب. لكن، يا آبائي، أنصتوا لما هي رتبة الإنسان حقاً، وكُمستمعين ودودين بطبعكم الإنسانيّ، اغفروا لي أي انحرافٍ في عملي هذا.

الله الآب، المُهندس الأعظم، بنى لنا هذا المنزل الكونيّ الذي نعيش فيه، هذا المعبد الإلهي المهيب، بتواؤمٍ مع قوانين لطفه الخفيّ. ولقد زيّن [الرب] السماوات بالعقل، وحرّك الأجرام السماوية بأرواح أبدية، وملأ أجزاء العالم الأسفل الحقيرة والقذرة بكثرةٍ من الحيوانات المتنوعة. لكن حين اكتمل العمل، تمنّى الخالقُ أن يكون هناك من يتدارس هذا المشروع العظيم، من يحبّ جمالَه، من يُعجَبُ باتساعه. ولهذا، بعد اكتمال كلّ شيء (كما يروي موسى وتيماوس)، بدا له [أي للرب] أن يخلق الإنسان. غير أنّه لم يتبقّ أي نموذجٍ يُشكّلُ [الرب] الإنسانَ عليه، ولم تتبقّ وديعةٌ يستودعها في هذا الابن الجديد، ولم يتبقّ مقعدٌ يتبوؤه متأمّلُ الأكوان هذا [أي الإنسان]. كل شيء الآن كاملٌ؛ كلّ شيءٍ أُمِرَ إما بأعلى أو بأوسط أو بأقل الأوامر. لكن ليس من طبيعة قدرة الآب [أي الرب] أن يَقْصُر عن هذا الجهد الإبداعي الأخير على الرغم من أنه مُرهَق، وليس من طبيعة حكمته أن يتردد في أمرٍ عصيب بسبب غياب المشورة، وليس من طبيعة عطفه الرحيم أن يكون ذاك -الذي قُدّر له أن يُمجّد قوّة الإله [أي الإنسان] عبر المخلوقات الأخرى- مجبرٌ على أن يشجب ذلك على نفسه [أي لا يكون هو ذاته موجوداً] . ولذا في النهاية قضى المهندس الأعظم أمراً أنّ هذا المخلوق لن يمتلكَ هِبَةً ملائمةً له حصرياً، [بل] سيتشارك مع المخلوقات الأخرى فيما وهبها إياها الرب؛ لذلك تقبّل [الربّ] أن يكون الإنسان مخلوقاً ذا طبيعةٍ وسطية، ووضعهُ في قلب العالم مخاطباً إياه:

“يا آدم، لم نعطك منزلةً أو هيئةً أو قدرةً حصريةً لجنسك [أي الجنس البشري]، ولذا وفقاً لرغبتك ولحُكْمِك تستطيع أن تحتلّ أي منزلةٍ أو هيئةٍ أو قدرةٍ تشاؤها. طبيعةُ كل المخلوقات الأخرى محدودةٌ ومُقيّدة بما ألزمناه بها من قوانين. أمّا أنت فوحدك تُقررّ حدود طبيعتك وفقاً لإرادتك الحرة التي وهبناها إياك دون أي قيود. وضعناك في قلب العالم كي يتهيأ لك بسهولةٍ ملاحظة كلّ ما فيه [أي في العالم]. خلقناك لا سماوياً ولا أرضياً، لا فانياً ولا خالداً، كي تتمكن بشرفك وحرية اختيارك أن تُشكّل ذاتك كما تحبّ، فكأنّك تكون خالقَ نفسكِ أو هادمَها. ستكونُ لك القدرة على أن تنحطّ بذاتك لرتبة البهائم، وستكون لك القدرة على أن تسمو بها للرّتب الإلهيّة من خلال بصيرة روحك.”

ما أعظم كرم الله الآب! ما أسمى وأعجب الإنسان السعيد الذي وُهبت له قدرة امتلاك ما يختار فيُصبح ما يريد! منذ لحظة ولادتهم، أو كما يعبّر لوكيليوس: “منذ أرحام أمهاتهم”، تولد البهائم بكلّ مَلَكاتها؛ الأرواح العليا منذ بداية الكون أو بعده بقليل، تصبحُ ما خُلقتْ لأجله حتى نهاية الكون [أي أنها تظل على سجيّتها منذ وجودها]. وحده الإنسان منذ لحظة تكوينه قد زرع الآب [أي الرب] فيه جميع أنواع البذور وجراثيم مسالك الحياة. وأيّ بذرةٍ يحرثها الإنسان سيستوي عودها وتثمرُ في ذاته؛ فإذا [كان] نواماً فسيكون كالنبتة، وإذا [كان] ذا حسّ فسيكون كالبهيمة، وإذا [كان] عقلانياً فسيكون مخلوقاً إلهياً، وإذا [كان] مُفكراً فسيكون ملاكاً وابناً للإله. وإذا لم يرتضِ بقسمة أي مخلوق، فسينطوي على نفسه وروحه التي تُصبح واحدة مع الإله (في عزلة ظلام الله الآب المتعالي) وسيتجاوز كل المخلوقات.

من لا يُعجبُ بكائننا المتحول هذا؟ بل من يجد كائناً مستحقاً للإعجاب أكثر من الإنسان؟ أسكليبيوس الأثيني يقولُ مُنصفاً أن أمثولة خفايا الإنسان هو شخصية بروتيوس، وذلك بسبب قدرته على تغيير شخصيته وتحويل طبيعته. هذا هو أصل التغيّرات والتحوّلات التي يحتفي بها العبرانيّون والفيثاغوريّون؛ فلاهوت العبرانيين الغامض يحوّل أنوش المقدّس لملاكٍ إلهي، ويحوّل أناساً آخرين لكائناتٍ إلهية أخرى. الفيثاغوريون يحوّلون الأفراد الغير ورعين لبهائم، وحتى لنباتاتٍ إذا حقّ ما يقول إمبيدوكليس. وتكراراً لذلك، محمّدٌ غالباً ما ردد هذا الحديث: “من حاد عن شرع الله فهو كالبهيمة” **، وهو مُحقّ في قوله هذا. ليسَ ما يجعلُ النبتةَ نبتةً جذعُها، بل خرسُها ولا-حركيتُها، وليس الجلدُ ما يجعل البهيمةَ بهيمةً بل لا عقلانيّتُها وروحُها ذات الإحساس، وليست الهيئةُ الكرويةُ ما يُكوّن السماوات بل عدمُ حيادها عن القوانين، وليس التحررُ من الجسد ما يجعل المَلَكَ ملكاً بل عقلانيتُه الروحية.

إذا ما رأيتَ مَنْ ينقاد لشهيّته زاحفاً ببطنه على الأرض، فهذا الذي تراه نبتةٌ وليس إنساناً؛ إذا ما رأيتَ مَنْ فُتِنَ بأوهام النزوات الفاسدة، كأنما تحت تأثير سحر كاليبسو، وأُغويَ بإغراءات الحيل وصار عبداً لشهواته، فهذا الذي تراه بهيمةٌ وليس إنساناً. لكنْ إذا رأيتَ فيلسوفاً يفرّق بين الأمور بعقل سليم يتوجّب عليك تبجيله؛ فهو مخلوقٌ إلهي وليس أرضياً. إذا رأيتَ متأملاً طاهراً، غير آبهٍ بجسده، منطوٍ على روافدِ عقله، فهو ليس مخلوقاً أرضياً ولا إلهياً، بل هو روحٌ عليا تلبّست بجسدٍ فانٍ، وهو [أي المتأمل] مستحقٌ للاحترام.

هل هناك من لن يُعجبَ بالإنسان؟ في الكتابات المقدّسة اليهودية والمسيحية، يوصَفُ الإنسانُ أحياناً (ليس عبثاً) بـ “كل الأجساد”، وأحياناً بـ “كل المخلوقات”، لأن الإنسان يُشكّلُ ويَصنعُ ويُحوّلُ ذاتَه لأجسادِ وشخصيّاتِ أيٍّ من المخلوقات. ولهذا السبب، فـ إيفانتس الفارسي حين يشرح اللاهوت الكلداني، يَكتبُ أن الإنسان لا يمتلكُ فطرةً وصورةً ثابتةً عن نفسه، بل عديداً [من الفطرات والصور] الخارجيّة والغريبة عن ذاته؛ ومثلما يقول المثل الكلداني: “الإنسان هو مخلوق بطبيعةٍ متنوعةٍ ومتشعبةٍ ومتقلبة.”

لكن لِمَ نُعيد تكرار كل هذه الأشياء؟ حتى نهاية حياتنا، ومنذ اللحظة التي نولد فيها بحالةٍ من القدرة على أن نكون ما نرغبه، يجب علينا أن نحرُصَ على ألا يُقالَ عنا أننا فشلنا في بلوغها على الرغم من أننا ولدنا محظوظين [أي فشلنا في بلوغ رغبتنا على الرغم من حظوظنا]، بل أصبحنا بهائم ووحوش دون عقل، ويجب أن نردد مقولة النبي آصف: “كلكم آلهة وأبناء الأعلى.” وإلا فحين نصنع من حرية الاختيار شيئاً مؤذياً بَدَلَ أن نصنع شيئاً مفيداً فنحن نسيء استخدام ما منحَهُ لنا الآب المتسامح الكريم.

فلندع بعض الطموح الإلهي يحتلّ أرواحنا، حتى إذا ما صرنا مستائين من الاعتدال فسنرغب في السموّ بالأمور العليا وسنكدح كي نصل إليها، لأننا نستطيع [الوصول] إذا أردنا. فلنحتقر الأمور الأرضية، فلنزدري الأمور السماوية، وأخيراً، فلنسترخص كلّ الأمور في هذا العالم، ولنُسرّع في المضي لما وراءه، حيثما هو أقرب لرأس الإله. هناك حيث الخفايا المقدسة مترابطة، يحتلّ سيرافيم وتشيروبيم وثرونز المقاعد الأولى. فلنحاكِ كرامَتَهم ومجدَهم، فلنرفض مقاعد الصف الثاني لأنفسنا ولا نتكاسل فنعطيهم المقاعد الأولى. إذا أردنا، لن نكون أدنى منهم في أي شيء.

لكن كيف نتقدم وماذا يجب علينا أن نفعل في النهاية؟ فلنلحظ ما يصنعون و [نلحظ] أي حياة يعيشونها. فإذا صرنا نعيش مثلهم (ونحن قادرون على ذلك) سنكون مساوين لهم في قدرهم.

———————————————————

** لم أقع على نصّ الحديث بالعربية، فترجمته بمعناه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s