قيمة الفلسفة – برتراند راسل

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

قيمة الفلسفة – برتراند راسل

Bertrand Russell, 1951
برتراند راسل

بعد أن انتهينا من مراجعتنا القصيرة وغير المكتملة لمشاكل الفلسفة, من الجيد أن نتساءل عن قيمة الفلسفة، ولماذا يجب علينا دراستها. من الضروري أن نستحضر هذا السؤال تحت ضوء حقيقة أن معظم الناس, تحت تأثير العلوم العملية, يميلون إلى الظن بأن الفلسفة ما هي إلا تفاهات بلا فائدة, و[هي] مقارنات بين متشابهات قريبة المعاني, والتفكر في مواضيع ذات خلافٍ لا يمكن معرفة حقيقتها.

جزء من هذه النظرة للفلسفة ناشئٌ عن فهم خاطئ للمقصود بنهايات الحياة, وجزء ناشئٌ عن فهم خاطئ لنوع الفائدة التي تسمو الفلسفة لتحقيقها. العلوم المادية عبر الاختراعات تفيد كثيراً من الناس الذين يجهلون تلك العلوم، ولذلك، فدراسة العلوم المادية مستحبة, ليس فقط بسبب تأثيرها على طالب العلم، بل أيضاً لأنها تصدّر الفائدة للبشرية كلها، وهذا هو السبب الرئيس. هذه الفائدة لا تنتمي إلى الفلسفة. إذا كانت الفلسفة لها قيمة للناس, فإنها لا تكون إلا بطريقة غير مباشرة، وذلك عبر تأثيرها على حياة الذين يدرسون الفلسفة أنفسهم. وبهذا الفهم لطريقة التأثير يجب البحث عن قيمة الفلسفة.

وإذا كنا لا نريد أن نفشل في تحديد قيمة الفلسفة, يجب علينا أولاً تحرير عقولنا من تحيّزاتنا الخاطئة بما هو معروف بالرجل “العملي”. الرجل “العملي” كما المصطلح مستخدم عامة, هو الشخص الذي يعرف الاحتياجات المادية فقط. هو الذي يدرك أن الطعام ضروري للجسم، ولكنه غافل عن ضرورة غذاء العقل. إذا كانت حياة الناس ميسّرة لهم, وكانت الأمراض والفقر قد وصلت إلى أقل مرحلة ممكنة, فلا يزال هناك الكثير من الذي ينبغي تحقيقه قبل إنتاج مجتمع قيم. وحتى في عالمنا هذا فإن أهمية العقل على الأقل تبلغ أهمية البدن. وقيمة الفلسفة تكمن فقط في العقل, وهؤلاء الذين يدركون أهمية غذاء العقل هم فقط الذين لهم قابلية الاقتناع بأن الفلسفة ليست مضيعة للوقت.

الفلسفة كأي من العلوم الأخرى تهدف إلى المعرفة. المعرفة التي تهدف لتحقيقها هي ذلك النوع الذي يعطي نظاماً ووحدة إلى جسد العلوم كلها، وهو نوع من المعرفة التي تصدر عنها تساؤلات وفحوصات حادّة في أساسيات قناعاتنا، وتحيزاتنا، وكل ما نؤمن به. ولكن لا نستطيع أن نقول أن الفلسفة حقّقت النجاح في محاولاتها لإيجاد إجابات حقيقيّة قطعيّة عن الأسئلة التي تطرحها. فإذا سألت عالِماً في الرياضيات, أو المعادن, أو التاريخ, أو أيّ رجل يتعلّم هذا النوع من العلوم عن الحقائق التي توصَّل إليها فسيطول جوابه بعدد الساعات التي ترغب في الاستماع إليه. ولكن إذا طرحتَ هذا السؤال على فيلسوف صريح مع نفسه, سيتوجب عليه أن يعترف بأن دراسته لم تحقّق أيّ نتائج إيجابيّة مثل العلوم الأخرى. جزء من السبب لهذه الحقيقة هو أنه حالما يتحوّل العلم لمعرفة لا تخضع للشك حول موضوع معين, يخرج هذا العلم عما يسمّى الفلسفة. علم السماوات, الذي هو الآن ينتمي إلى علم الفلك, كان يُعد في الماضي من الفلسفة. أعظم أعمال نيوتن كانت تسمّى “مبادئ رياضية للفلسفة الطبيعيّة.” العلم بالعقل الإنساني كان يعد أيضاً جزءاً من الفلسفة، ولكنه الآن منفصل ويلتحق بعلم النفس. ولذلك, إلى حد كبير, نطاق الشك في الفلسفة هو واضح أكثر من أنه حقيقي: الأسئلة التي يمكن إيجاد أجوبة قطعيّة تصنّف تحت العلوم، بينما تلك الأسئلة التي لم يتحصّل الإجابة عنها بصورة قطعيّة حتى الآن هي ما تبقّى لتشكيل ما يعرف بالفلسفة.

ولكن هذا ما هو إلا جزء من حقيقة نطاق الشك في الفلسفة. بين كثير من الأسئلة الفلسفية أسئلة ذات اهتمامات عميقة بالجانب الروحاني للحياة التي يجب أن تبقى خارج نطاق العقل الإنسانيّ ما لم يتعدّ العقل قدراته الحالية بمراحل. هل للعالم خطة أو هدف، أم هو صدفة التقاء ذرات؟ هل الوعي جزء أبديّ من العالم ويستحضر الأمل في حكمة دائمة النمو، أم هو حدث عابر على كوكب صغير، مصيره العدم؟ هل الخير والشر ذو أهمية للعالم أم للإنسان فقط؟. هذه الأسئلة تتعاطاها الفلسفة, والإجابات عنها تختلف باختلاف الفلاسفة. لكن بغض النظر عن توفر جواب أو عدم وجود جواب لهذه الأسئلة، فإن الإجابات المقترحة عبر الفلسفة لا يمكن إثباتها. وبالرغم أن الأمل في إيجاد جواب ضئيل فعلاً، فجزء من تجارة الفلسفة أن تستمر في طرح هذه الأسئلة لتجعلنا مدركين لأهميتها, ولنبحث في كلّ المناهج الموصلة إليها, ولنحتفظ بفضول التأمل في العالم الذي سينتهي إذا حصرنا أنفسنا بالعلوم القطعية.

العديد من الفلاسفة يرون أن الفلسفة تستطيع أن تؤسّس الحقيقة القطعيّة لأسئلة جوهرية. هم يقترحون أن من الممكن لأهم المعتقدات الدينية أن تثبت حقيقتها. لكي نستطيع أن نحكم على هذا الفكر, يجب علينا أن نتفكر في المعرفة الإنسانية, وأن نصدر الرأي في طرقها وحدودها. نقيض الحكمة أن نتكلم عن هذا الموضوع من منطلق ديني ولكن إن كانت تحقيقاتنا في الفصول السابقة صائبة, فعلينا أن نتنازل عن الأمل في إيجاد إثباتات فلسفية للمعتقدات الدينية. ولذلك لا تستطيع قيمة الفلسفة أن تتضمن الإجابات القطعية على هذه الأسئلة. ولذا, أؤكد مرّة أخرى, أن قيمة الفلسفة يجب ألا تعتمد على معرفة قطعيّة محصلة عبر الذين يدرسونها.

قيمة الفلسفة تكمن في الحقيقة في نطاق الشك. الرجل الذي لم يستأنس حتى رائحة الفلسفة يعيش الحياة في سجن القناعات المشتقة عن الفكر السائد في زمنه أو بيئته، ومن التحيزات التي نمت في عقله بغير موافقة فكره المستقل. لرجل كهذا العالم يميل أن يكون محدوداً, قطعياً وواضحاً, حيث المواضيع المتشابهة لا تثير أية تساؤلات, وإمكانية غير المألوف مرفوض. حالما أن نبدأ في أن نتفلسف, حيث العكس صحيح, نجد كما تطرقنا في الفصول السابقة أنه حتى الأمور اليومية نجد فيها مشاكل لا جواب كامل لها. الفلسفة بالرغم من أنها غير قادرة على إيجاد أجوبة حقيقية قطعية للشكوك التي تنتج أسئلتها, فإنها قادرة على تكوين احتمالات عديدة التي توسع منظور فكرنا وتحررنا من استبداد المعروف. وهكذا بينما تتناقص ثقتنا بمصداقية الأشياء كما هي ظاهرة لنا, تتزايد بمراحل معرفتنا بالاحتمالات المتعدّدة المختلفة التي يمكن أن تكون عليها هذه الأشياء. الفلسفة  تزيل التديّن المتغطرس الذي يحمله الذين لم يمشوا على أراضي الشكّ المحرّر وهي أيضاً تجعلنا نحتفظ بشعور العجب حيث أنها تعرض علينا المألوف بوجهة نظر غير مألوفة.

وبالرغم من أن الفلسفة توسّع آفاق الفكر بالعرض إلى احتمالات بعيدة عن المألوف, فإن الفلسفة لها قيمة أخرى, قد تكون قيمتها الرئيسة عبر عظمة المواضيع التي تتفكر فيها، و [عبر] التحرر من أهداف الشخصية والضيق الناتج عن هذه التأملات. حياة الرجل الغريزيّ محصورة داخل دائرة اهتماماته الشخصية الخاصّة (العائلة والأصدقاء قد ينتمون داخل هذه الدائرة) ولكن العالم الخارجيّ لا يدخل في عين الاعتبار إلا إذا كانت فيه فائدة لما في داخل الدائرة الغريزية. حياة كهذه تتصف بالحميّة والحصر، بينما في المقارنة حياة الفيلسوف هادئة وحرة. عالم الاهتمامات الغريزية الخاصة صغير ومتواجد في وسط عالم عظيم وقوي، الذي هو, عاجلاً أم آجلاً, حتماً سيدمّر العالم الخاص. ما لم نوسع اهتماماتنا لتشمل العالم الخارجي, سنبقى كالمحميّة المحاصرة عالمين بأن ليس هناك مفر وأن في النهاية ليس لنا إلا الاستسلام. في حياة كهذه لا وجود للسلام. لا وجود إلا لصراع مستمر بين إصرار الرغبة وضعف الوعي. بطريقة أو بأخرى, إذا كانت حياتنا تسمو إلى العظمة والحرية, يجب علينا النجاة من هذا السجن والصراع.

أحد طرق النجاة هو عبر التفكّر الفلسفي. التفكّر الفلسفي لا يقسم العالم إلى جزأين متعاديين, بين صديق وعدو, حليف ومعتد, خير وشر, بل ينظر إلى الكلّ بنظرة محايدة. التفكّر الفلسفي عندما يكون خالصاً لا يكون هدفه إثبات أن العالم متصل بالإنسان. كلّ اكتساب معرفيّ هو توسّع للنفس، ولكن أفضل طريقة لتحصيل توسيع النفس هي عندما لا تكون مباشرة غاية التفكر. يحصل هذا التوسيع عندما يكون السبب في التفكّر هو الرغبة في المعرفة فقط، وذلك بدراسة خالية من الرغبة في حقيقة معيّنة بصفات مخصّصة, بل تشكّل النفس لصفات ما تجد في دراستها للموضوع. هذا التوسيع للنفس لا يحصل عندما تؤخذ النفس على ما هي عليه, نحن نحاول عرض أن العالم يشبه هذه النفس التي يمكن معرفتها بلا أي قبول لما هو غير متعلق بالنفس. الرغبة في إثبات هذا هو نوع من التوكيد النفسيّ، ومثل كلّ التوكيدات النفسية، فهي حاجز إلى النمو النفسي التي تريد تحقيقه والتي تعلم النفس أن باستطاعتها تحقيقه. التوكيد النفسي في البحوث الفلسفية, كما هو في أي بحث آخر, ينظر إلى العالم كوسيلة إلى غاية، ولذلك تجعل ماهية العالم أقل من ماهية النفس، والنفس تحصر حدودها إلى عظمة فوائدها. في التفكر, على العكس, نحن نبدأ من غير النفس، وعبر عظمتها حدود النفس تتوسع. وعبر لا نهائية العالم العقل المتفكر يحقق جزءاً من هذه اللامحدودية.

ولهذا السبب عظمة الروح لا تتعزز بالفلسفات التي تحصر العالم في الإنسان. المعرفة عبارة عن اتحاد النفس مع غير النفس، ومثل كلّ اتحاد,فهو يَضعفُ بالسلطنة، وكذا بأي محاولة لضبط العالم إلى مطابقة ما نجد في أنفسنا. هنالك ميل فلسفي شائع وهو أن الإنسان مقياس كلّ شيء، وأن الحقيقة هي من ذات صنع الإنسان وأن الحيز والزمان والعالم الشامل جزء من خصائص العقل، وأنه إذا كان هناك شيء مخلوق بغير العقل فلن يعرف. هذا المنظور, إذا كان حديثنا السابق ثابتاً فهو غير صحيح. وبالإضافة إلى أنه غير صحيح فهذا الفكر له القدرة على حرمان التفكّر الفلسفي ممّا يجعل له قيمة لأنه يقيد الإنسان من التفكر في النفس. ما يدعوه هذا الفكر معرفة ليس اتحادا مع غير النفس، ولكنه مجموعة من القناعات والعادات والرغبات اللاتي تصنع الحجاب بيننا والعالم. الرجل الذي يجد متعة في نظرية معرفية كهذه هو كمثل الرجل الذي لا يترك الدائرة المحلية أبداً بسبب خوفه أن كلمته لن تكون هي القانون.

التفكر الفلسفيّ الحقيقيّ, على العكس, يجد الرضى في كلّ توسّع لغير النفس، وفي كل ما يوسّع الموضوع الذي هو محض التفكّر، وبذلك المتفكّر أيضا. كل شيء عند التفكّر هو شخصّي أو خاص, أو يعتمد على العادات أو إفادة النفس والرغبات, يفسد الموضوع، وبذلك يصنع الحاجز للاتحاد الذي يطلبه العقل. الفكر الشخصي والخاص هنا يكون كالسجن للعقل. العقل المتحرر سيرى مثلما الله قد يرى, من دون هنا والآن, ومن غير آمال وخوف, و من غير الاعتقادات المعتادة والقناعات التقليدية, وبكل هدوء, خال من العواطف, في وحدانية الرغبة في المعرفة (معرفة غير شخصية, خالصة التفكر, كما هو مستطاع لدى الإنسان.) لذا أيضاً العقل المتحرّر سيقدّر الفكر التجريديّ والمعرفة الكونيّة التي لا تقبل تاريخ الشخص الخاصّ أكثر من المعرفة التي تتكون من الحواسّ والتي تعتمد على ثنائية منظور الشخص الخاص والجسد الذي تُضلّ حواسه مثلما تهدي.

العقل الذي أصبح معتاداً على الحرية والحيادية في التفكر الفلسفيّ سيحتفظ بهما في عالم العمل والمشاعر. سينظر إلى أهدافه ورغباته على أنها أجزاء من الكامل، ويفقد الإلحاح السلبيّ الذي ينتج عن رؤيتهما كأجزاء متناهية الصغر في عالم لا يتأثر بعمل رجل واحد. الحيادية في التفكر, التي هي إخلاص في البحث عن الحقيقة, هي بحد ذاتها مماثلة إلى جودة العقل الذي هو يعد في العمل, العدل, وفي المشاعر, الحب العالمي, الذي يكون للجميع وليس فقط إلى ما هو مفيد أو بديع. لذا فإن التفكر لا يوسع آفاق أفكارنا فقط بل أيضا آفاق التعامل وآفاق المشاعر. التفكر يجعلنا مواطني العالم حيث لا يفصل بيننا وبين العداوة مع الآخرين مدينة مسورة ذات جدار واحد. في هذه المواطنة العالمية, تتحصل الحرية الحقيقية للإنسان , وحريته من الآمال والأهوال الهزيلة.

لنلخص حديثنا عن قيمة الفلسفة. يجب دراسة الفلسفة لا لإيجاد أجوبة قطعية لأسئلتها, لأن ذلك محال, ولكن يجب دراستها من أجل الأسئلة ذاتها، لأن هذه الأسئلة توسع مفهومنا لما هو ممكن، ويثري خيال عقولنا، ويزيل التدين الذي يغلق العقل عن التفكر. ولكن أهم من هذا كله, يجب دراستها لأن عبر عظمة العالم، الذي الفيلسوف يتفكر الفيلسوف بموضوعه، يتوسع ويعظم هو ذاته ويصبح قادرا على الاتحاد مع العالم الذي يشكل أعلى درجات الخير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s