التوظيفات السياسية للدين – نيكولو ميكيافيللي (الجزء الأول)

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

التوظيفات السياسية للدين – ميكيافيللي

نيكولو ميكيافيللي
نيكولو ميكيافيللي

“التوظيفات السياسية للدين” مقتطعة من كتاب “الدين” لنيكولو ميكيافيللي (١٤٦٩-١٥٢٧)، والذي أعيد طباعته باسم “الرسائل”.

١١. بخصوص دين الرومان

على الرغم من أن أوّل من أعطى “روما” دستوراً هو “روميلوس”، وهي [أي روما] تدينُ له بولادتها وتعليمها، إلا أن السماء ارتأت أن أُسسَ “روميلوس” لم تكن صالحةً لامبراطوريةٍ عظيمةٍ، وأوحتْ [السماء] لمجلس الشيوخ باختيار “نوما بومبيليوس” كخليفةٍ لروميلوس يُكمل ما لم ينهيه سلَفُه. وحين أدرك “نوما” وحشيةَ الناس تطلّعَ لإخضاعهم للطاعة المدنيّة باستخدام فنونٍ سلميّة، ولذا لجأ للدين كأداةٍ ضروريةٍ فوق كل الاعتبارات من أجل المحافظة على مدينة متحضّرة، وكذا شكّلها [أي روما] بحيث لم يكن في القرون المتعاقبة خوفٌ من الرب مثلما كان في هذه الجمهورية.

الدينُ هو ما سهّل أي مشروع اتّخذه مجلس الشيوخ أو رجالات روما العظام على عاتقهم. وكلّ من يعاين الأعمالَ العديدةَ التي قام بها مجتمع روما ككل أو الرومانيّون كأفرادٍ سيجد أن المواطنين كانوا يخافون من كسر اليمين أكثر من مخالفة القانون، فهم كانوا يحترمون سلطان الله أكثر من سلطان خلقه. يمكن رؤية هذا الأمر بوضوح في قضية “شيبيو” وقضية “مانليوس توركواتوس”؛ فبعد الهزيمة التي ألحقها “حنبعل” بالرومانيين في كاناي اجتمع العديد من المواطنين اليائسين بسبب ما حلّ على أرض آبائهم وقرروا مهاجرة إيطاليا متجهين لصقليّة. وحين سمع “شيبيو” بذلك بحث عنهم والسيف بيمينه وأجبرهم على اتخاذ يمينٍ بأنهم لن يتركوا موطنهم. أما “لوشيوس مانليوس” (والد تيتوس) -والذي سُمّي لاحقاً بـ “توركواتوس”- فقد اتّهمه “ماركوس بومبينوس” صاحب المنبر العمومي. لكن قبل أن تصل القضية للمحكمة، مضى تيتوس لماركوس وهدده بالقتل إذا لم يُقسم أنه سيسحبُ دعواه ضدّ والده [أي توركواتوس والد تيتوس]، وأجبره على أن يقطع أغلظ الأيمان على ذلك. واضطرّ ماركوس لسحب دعواه فعلاً بسبب ذلك اليمين. ولذا فإن هؤلاء المواطنين لم يبقِهم [في أوطانهم] حبّهم لها ولا قوانينها، بل أُبقوا فيها بيمينٍ عقدوه مكرهين؛ مثلما اضطُرّ المدّعي للتغلّب على كرهه لذاك الأب والظلم الذي ألحقه به ولده بالإضافة لشرفه من أجل اليمين الذي عُقد. وكل ذلك لم يكن إلا بسبب الدين الذي قدّمه نوما للمدينة.

وسيرى المهتمون بتاريخ الرومان لأي درجةٍ ساهم الدين في التحكّم بالجيوش وتشجيع العوام وتهذيب الرجال وفضح الفاسدين. ولذا لو سُئل عن أي حاكمٍ تدينُ له روما أكثر، روميلوس أو نوما، فأظن أنّ نوما سينال المركز الأول. حيثما تواجد الدين سيكونُ من السهل تعليم الرجال استخدام السلاح، ولكن إذا تواجدتْ الأسلحة بلا دين فأظن أن من الصعب إدخال الدين. ولذا يرى المرء أن روميلوس، بعد أن أسس مجلس الشيوخ وغيره من المؤسسات المدنية والعسكرية، استغنى عن اللجوء للسلطة الإلهية؛ أما نوما فقد ارتآه [أي اللجوء للسلطة الإلهية] ضرورياً جداً لدرجة أنه ادعى التّشاور بالسرّ مع حوريةٍ كانت تنصحه فيما يتعلق بنصائحه للناس. وذلك لأنّه أراد طرح أسسٍ جديدة لم تعتد عليها المدينة، لكنه ارتاب فيما إذا كانت سُلطته بذاته كافية.

وفي الواقع لم يكن هناك أيّ مشرّعٍ لم يلجأ للرب حين يطرحُ قوانيناً جديدةً غير معتادة وإلا لما قُبِلتْ، خصوصاً وأن هناك فوائداً عديدةً يراها الحكيم ولكنّها ليست ظاهرة للعقل بحيثُ يمكن إقناع الآخرين بها. ولذا فإنّ الحكماءَ من أجل أن يتجنّبوا هذا العائق يلجؤون للرب. كذلك صنعَ يكورغوس، وسولون، وغيرهم ممن امتلكوا هذه الرؤية. وبسبب إعجاب الشعب الرومانيّ بحكمة وصلاح نوما، فقد تقبّلوا كل قراراته. لكن صحيحٌ هو القولُ بأن تلك الأوقات كانت خصبةً بالروح الدينيّة وبرجالٍ أغبياء ساعدوه [أي ساعدوا نوما] كثيراً في تمرير مخططاته وجعل الأمر أسهل بالنسبة إليه لكسب إعجابهم على أي مستوىً كان. ومما لا شكّ فيه أيضاً أن أي شخص يودّ تأسيس جمهورية في الوقت الحاضر سيجد الأمر أسهل عند سكّان الجبال غير المتحضرين من سكّان المدن حيث الحضارات تفسُد؛ تماماً كما هو أسهلُ على النحّات استخدام رخام خشنٍ لنحت تمثال جميلٍ من استخدام رخامٍ أفسدته يد عاملٍ أخرق.

وبوضع هذه الأمور تحت الاعتبار، أستنتج أنّ الدين الذي قدّمه نوما هو أحد الأسباب الرئيسية في ازدهار روما؛ فالمؤسسات الجيّدة أثمرت عن حظّ جيد، والحظ الجيّد أثمر عن نتائج مجهوداتٍ سعيدة. ومثلما أن العبودية للرب سبب ازدهار الجمهوريات، فإهماله هو سبب خرابها. فأينما غاب الدين، إما أن تخرب الممالك أو أنها تستمرّ خوفاً من الحاكم، وهذا يعوّض غياب الدين. ولأنّ أعمار الحُكّام قصيرة فإن المملكة التي تخسرُ حاكمها تخسرُ أيضاً قوّته. ولذا فالممالك التي تعتمد على قوّة رجلٍ واحدٍ لا تدوم طويلاً، لأنهم يخسرون قوّتهم حين تنتهي حياته، ونادراً ما يُعيد إحياءها خليفته، وكما قال دانتي:

نادراً ما تعاود نزاهة البشر الظّهور

في الفروع؛ هذا ما يريده واهبها

كي نتمكن من أن نسأله إيّاها.*

إذن، فأمانُ جمهوريةٍ أو مملكةٍ لا يعتمد على حكمةِ من يحكمُها خلال حياته، بل في قدرته على طلبه [أي الأمان] بحيث يستمرّ حتى بعد مماته. وعلى الرغم من أن إقناع الرّجال الأجلاف أسهل، فذلك لا يعني استحالة إقناع الرجال المتحضّرين؛ أي أولئك الذين لا يرون أنفسهم “أجلاف”. لم يبدُ لشعب فلورنسا أنهم كانوا جهلةً ولا أجلافاً، ومع ذلك فقد أقنعهم الراهب جيرولامو سافونارولا بأنه تخاطب مع الرب. لا أود التقرير فيما كان ذلك حدث فعلاً أو لا لأنه [أي جيرولامو] عظيم ويجب التحدّث إليه بتبجيل؛ لكني أقول بأن الكثير صدّقوه على الرغم من أنهم لم يروا فيه شيئاً خلاف السائد يجعلهم يصدقونه؛ فحياته وتعاليمه وما كان يُبشّر به كان كافياً لجعل الناس يثقون به. فلا ييأسنّ أحدكم من التأثير على ما أثّر عليه الآخرون، فكما قلنا في المقدمة، يولد الأفراد ويعيشون ويموتون في نظامٍ لا يتغيّر.

١٢. أهمّية الأخذ بحساب الدين، وكيف خرُبت إيطاليا لانعدامه بفضل الكنيسة الرومانية.

يتوجّب على الأميريّات والجمهوريّات التي ترغب بالبقاء خاليةً من الفساد أن تحافظ على استقامة شعائرها الدينيّة فوق كل اعتبار وإقامتها دوماً بتوقير؛ فلا دليل أوضح على انحدار دولةٍ ما من إهمال عبادة الإله.

من السهل فهم هذا إذا ما أدرك الفرد الجوهرَ الذي قام عليه دينُ وطنه؛ فجوهر كلّ دين متجذّرٌ في بعض أسُسه الرئيسية. حياة الوثنيين الدينيّة كانت مبنيّة على ما أخبر به الوُسطاء والكهّان والعرّافين، ولذا فشعائرهم استندت إلى ذلك؛ فقد كان من السهل التصديق أن الإله [وهو يقصد هنا الوسيط] الذي يستطع التنبؤ بمستقبلك (سواء كان طيباً أو لا) يستطيع تحقيقه أيضاً، ومن هنا وُجدت المعابد التي سُبّحت الآلهة فيها بالأضحيات والابتهالات والشعائر من كل الأنواع؛ وكذلك وسيطُ “ديلوس”، و [وسيط] معبد جوبيتر آمون، وغيرهم من الوسطاء المعروفين الذين ملؤوا العالم بالذهول والإخلاص. لكن حين بدأ الوسطاء يقولون ما يسرّ ذوي النفوذ واكتشف الناس خديعتهم، صاروا [أي الناس] شكّاكين ويميلون لتخريب أي مؤسسة جيدة.

إذن على حكام الجمهورية أو المملكة أن يدعموا المبادئ الأساسية للدين الذي يمارسونه، وإذا قاموا بذلك فسيكون من السهل عليهم جعلُ أمّتهم متديّنة، ونتيجةً لذلك خيّرة ومُتّحدة. يجب عليهم أيضاً رعاية وتشجيع كلّما يساعد على ذلك، حتى وإن اقتنعوا بكونه وهمياً. وكلّما قاموا بذلك، كلّما كانوا أكثر حكمةً ومعرفةً بنواميس الطبيعة. ومعرفة الحكماء [أي لنواميس الطبيعة] هي ما جعلت الإيمان بالمعجزات يبلُغ هذا الحد من التبجيل، حتى في الديانات الخاطئة؛ فمهما كانت أصولها [أي الديانات الخاطئة]، فالأفراد العاقلون أدركوا قيمتها فجعلوا الجميع يؤمنون بهم.

كان هناك الكثير من أمثال هذه المعاجز في روما، من بينها واحدة حدثت حين كان الجنود الرومان ينهبون مدينة “فيي”. بعضهم ذهب لمعبد “جونو” وسألوا صورتها: هل تودّين المجيء لروما؟ وقال البعض أنه شاهدها تومئ برأسها، فيما قال البعض الآخر أنها أجابتهم بـ نعم. والسبب وراء [اعتقادهم] ذلك أنهم كانوا مشبّعين بالدين؛ وكما أشار لذلك “ليفي”، فحين أقدم الجنود على دخول المعبد فلم يخلقوا أي فوضى، بل تصرفوا بخضوع وأظهروا تبجيلاً عظيماً. ولذلك فقد سمعوا الجواب الذي أرادوا الإلهة أن تعطيه بل وضمنوا ذلك حين اقتربوا منها. معتقدات وسذاجة كهذه كان يرعاها ويشجعها “كاميلّوس” وبقيّة حكام المدينة بثبور.

لو تم حفظ هذه الروح الدينية من قبل حكام الأمم المسيحية كما أمرنا مؤسسها [أي اليسوع] لكانت الجمهوريات والدول المسيحية متّحدة وسعيدة بشكل أكبر. ولو أراد فردٌ أن يحدس أسباب انحدارها [أي الأمم المسيحية] لما استطاع أن يقوم بأي شيء أفضل من مراقبة الناس الذين يعيشون في الأحياء المجاورة مباشرة لكنيسة روما، وهي رئيسة ديننا، فيرى كيف انحسرَ دينُهم مقارنة بأي مكان آخر. وفي الواقع لو أن أحداً فكّر مليّاً في ديانتنا حين تأسست وقارن بينها وبين الاختلاف الذي نشهده في عصرنا هذا لاستنتج بلا شك أنها [أي الديانة] تقترب إما من الخراب أو الكارثة.

يدّعي الكثيرون أن سبب ازدهار المدن الإيطالية هو كنيسة روما. أخالفُ ذلك، وسأُدلل ضد هذا الرأي بالأسباب اللازمة، اثنان منهما فعّالان لدرجة أنهما، بنظري، غير قابلان للإنكار. الأول أنه بسبب المثال السيء الذي وضعته محكمة روما فقد خسرت إيطاليا كل إخلاصها وكل الدين. ويشهدُ على ذلك العديد من العوائق والكثير من الاضطرابات؛ فحيثما تواجد الدين فيمكن ضمان أن كل شيء على ما يرام، وحيثما غاب الدين فيمكن ضمان عكس ذلك. أوّل ما ندينُ له نحن الإيطاليون للكنيسة وللقساوسة هو كوننا غيرُ متديّنين ومنحرفون.

لكننا ندينُ لهم [الكنيسة والقساوسة] بأمرٍ أكبر، وهو السبب الثاني لخرابنا. إنها الكنيسة التي أبقتْ، ولا تزال تبقي، إيطاليا مُتفرقة. في الواقع لا يوجدُ أيّ دولةٍ صارت مُتحدة وسعيدة إلا تحت ظلّ جمهوريّة واحدةٍ أو حاكمٍ واحد، كما حدث في فرنسا وإسبانيا. والسبب الذي جعلَ إيطاليا في حالة مغايرة (أي حالة غياب الجمهورية الواحدة أو الحاكم الواحد) يعودُ بكامله للكنيسة. فعلى الرغم من أن مقرّ الكنيسة الرئيسي في إيطاليا وامتلاكها لسلطةٍ زمنيّة، إلا أن سلطتها وقوّتها ليستا كافيتين من أجل أن تستولي على السلطة في إيطاليا وتكون القائد؛ وعلى الجانب الآخر فلم تكن بذاك الضعف الذي جعلها لا تستطيع الاستعانة بإحدى القوى للقضاء على دولة إيطالية قويّة كلّما تهددت مصالحها. هناك دلائل وافرة في الأزمان الغابرة. فمثلاً، بمساعدة تشارلز العظيم، أخرجت [الكنيسة] اللومبارديين الذين كوّنوا ما يشابه مملكةً ضمّت جميع إيطاليا. وفي أيامنا أيضاً جرّدت البندقية من قوّتها بمساعدة الفرنسيين، ولاحقاً طردت الفرنسيين بمساعدة السويسريين.

الكنيسة إذن ما كانت قادرةً على احتلال إيطاليا وما تركتْ أحداً يحتلها. ونتيجة لذلك، فهي السبب الذي جعل شمل إيطاليا لا يلتمّ تحت رئاسة واحدة، بل تحت أيدي أمراء وسادة عديدين كانوا متفرّقين وضعفاء فأصبحت [أي إيطاليا] ضحيّة لهجمات ملوك البرابرة وجميع المهاجمين. وكل هذا بفضل الكنيسة، ولا أحد غيرها. إذا ما أراد أحدٌ إثبات صحة هذا بتجربة واقعية، فيتوجّب عليه امتلاك قوة هائلة تمكّنه من إرسال المحكمة الإيطالية (بالسلطة التي تمتلكها في إيطاليا) لتقطن في المقاطعات السويسرية (وهم الشعب الوحيد الذي يعيشون كما عاش السّلف في دينهم ومؤسساتهم العسكرية). وسيكتشف أن أساليب المحكمة الشريرة ستسبب سريعاً اضطراباتٍ في تلك المنطقة تفوقُ أي حدثٍ أينما كان مهما جلب من أضرار.

———————————

* اعتمدنا في ترجمة الأبيات لترجمة “الكوميديا الإلهية” لكاظم جهاد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s