التاريخ كمُرشد – دايفد هيوم

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

التاريخ كمرشد – هيوم

دايفد هيوم
دايفد هيوم

هذه المقالة توضح أهمية التاريخ، وهي مُقتطعة من كتاب “هيوم”: مبحث في الفاهمة البشرية، المنشور في ١٧٤٨م. و”هيوم” نفسه قد كتب تاريخ بريطانيا في عدة مجلّدات.

من المُعترف به كونياً أن هناك تماثلاً فيما بين أفعالِ الأفراد في كل الأمم وكل العصور، وأن الطبيعة البشرية تظلُّ نفسَها في مبادئها وعملياتها. نفسُ الدوافعِ دائماً ما تُصدرُ نفسَ الأفعال، والأحداثُ نفسُها تستتبعُ نفسَ المسببات. الطموح، الجشع، حب الذات، التكبّر، الصداقة، الكرم، العمل الجماعي: بامتزاجها بدرجاتٍ مختلفة وتوزّعها على المجتمع، هذه العواطف كانت منذ الأزل (ولا زالت) مصدراً لجميع الأفعال والجهود التي شهدتها الإنسانية. 

هل تودّ معرفة مشاعر وميول وطبيعة حياة الإغريق والرومان؟ عليك بدراسة طبع وأفعال الفرنسيين والإنجليز، ولن تكون مُجانباً للصواب حين تحوّل [أي تطبّق] ملاحظاتك عن اللاحق [الفرنسيين والإنجليز] على السابق. البشرية هي نفسُها، بل جميعُ الأزمنة والأماكن التي حدّثنا عنها التاريخ لم يكن فيها شيءٌ مختلف.

الهدف الرئيسي منه [أي التاريخ] هو اكتشاف النواميس الثابتة والكونيّة لطبيعة البشر، وهو يقوم بذلك عبر عرضِ ناسٍ في مُختلف الظروف والمواقف إلينا، وتغذيتنا بالمواد التي يمكن من خلالها تكوين ملاحظاتنا، فبهذا نكون مُطّلعين على المنابع الدائمة لأفعال وتصرفات البشر. سجلّات الحرب والمكائد والأحزاب والثورات ما هي إلا مجموعاتٌ من الاختبارات التي يستطيع السياسيّ أو فيلسوف الأخلاق توظيفها في مبادئ علمه، تماماً مثلما يكون الطبيب أو فيلسوف الطبيعة [أي عالم الطبيعة] مطّلعاً على النباتات والمعادن وغيرهما عبر الاختبارات التي أُجريتْ عليها [أي على النباتات الخ].

وليست الأرض والبحار والعناصر التي عاينها أرسطو أو أبقراط (بالنسبة إلى ما نعاينه اليوم) بأقربَ إلينا من الرجال الذين وصفاهم بوليبيوس أو تاكيتوس بالنسبة لمن يحكمون العالم اليوم.

لو أن مسافراً عائداً من بلادٍ بعيدةٍ جَلَبَ لنا قصصاً عن بشر مختلفين تماماً عما ألفناه؛ مجردون من الجشع والمطامح أو الانتقام، لا يعرفون السعادةَ إلا في الصداقة والكرم والعمل الجماعي؛ يمكننا على الحال من خلال هذه الأخبار تمييز البهتان وإثبات كذبه [أي المسافر] بنفس التيقّن كما لو أنه حشا قصصه بحكايات عن القناطير والتنانين والأعجوبات والمعاجز. ولو أردنا تفنيد أي تزييف في التاريخ، فليس هنالك حجةٌ أفضلَ من إثباتِ أن الأفعالَ التي قامَ بها شخصٌ ما مناقضةٌ تماماً لمجرى الطبيعة، ولا دافعَ إنسانيّ في تلك الظروفِ يمكنُ أن يدفعهُ [أي الشخص] للتصرف بتلك الطريقة. صحّةُ [كتابات] كوينتوس كورتيوس مشكوكٌ فيها حين يصف الشجاعة الخارقة لألكسندر يوم واجه الجموع بمفرده مثلُ شكوكيّتها حين يصف قدرته [أي ألكسندر] الخارقة وأنشطته التي مكّنته من احتمالهم. يمكننا إذن بسهولة أن نميّز اتساقاً في الدوافع والأفعال بين البشر مثلما يوجد اتساقٌ في أجسادهم.

إذن فائدةُ تلكَ التجاربِ (المكتسبة من خلال الحياة وتنوّع الشؤون والرفقات) هي أن تعظَنا حول الطبيعة البشرية وتنظّمَ سلوكنا وتخميناتنا للمستقبل. عبر هذا المُرشد [أي التاريخ]، نعتلي معرفةَ ميولِ ودوافعِ البشر عن طريق أعمالهم وتعابيرهم بل وحتى إيماءاتهم، ثمّ نهبط مجدداً كي نُفسّر أعمالهم بمعرفة تلك الدوافع والميول. هناك ملاحظاتٌ عامةٌ مكنوزةٌ في مجرى التجارب [البشرية]، وهي تعطينا دلائلَ عن الطبيعة البشرية وتعلمُنا كشفَ كل تعقيداتها. الذرائع والمظاهر ما عادت خدّاعة؛ البيانات العامة تُمرّر بسبب تلوينها لحقيقة قضية ما. صحيحٌ أن الفضيلة والشرف لهما نفوذهما ووطأتهما [أي على البشر]، لكنّ اللامبالاة التامة [أي اللامبالاة للدوافع البشرية] (والتي غالباً ما تكون متصنّعة) لا يمكن وجودها في الجموع والأحزاب؛ هي [أي اللامبالاة] نادرةٌ في القادة وأكثرُ ندرةً في الأفراد من أي رتبة ومكانة.

لكن لو لم يكن هناك اتّساق في الأفعال البشرية، أي لو أن كل تجربة أدركناها كانت متفاوتة وشاذة، فسيكون من المحال أن نَجمعَ أي ملاحظات عامّة عن البشرية؛ والخبرةُ ستكون بلا فائدة مهما سبقها من تأمّل. ليس الفلاح العجوز أمهر في حرفته من المبتدئ الشاب إلا لأن هناك نظاماً معيّناً للشمس والأمطار والأرض في إنتاج المحصول؛ والتجربة تعلم المُمارسَ القواعدَ التي تحْكُمُ وتوجّهُ تلك العملية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s