تعريف الفيلسوف – سيزار دومارسيس

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

تعريف الفيلسوف – دومارسيس

الفيلسوف الفرنسي سيزار دومارسيس
الفيلسوف الفرنسي سيزار دومارسيس

تعودُ هذه المقالة للفيلسوف الفرنسي سيزار دومارسيس (١٦٧٦-١٧٥٦)، وقد كتبها من أجل مُدخل “فيلسوف” في الموسوعة.

العقل بالنسبة للفيلسوف هو كما الفضيلة بالنسبة للمسيحيّ. الفضيلةُ تقودُ المسيحيَّ للعمل، والعقلُ [يقودُ] الفيلسوفَ.

بقيةُ الناسُ منقادون إلى أهوائهم، وأعمالهم ليست مسبوقةً بالتفكّر: هؤلاء هم السائرون في الظلام.

على الجانب الآخر، فالفيلسوف حتى حين يتّبع أهواءه فهو لا يُقدم على عملٍ إلا بعد تفكّر؛ هو أيضاً يسير في الظلام، لكنّه يحمل شعلةً.

يكوّن الفيلسوف مبادئه عبر ملاحظاتٍ محددةٍ لا-نهائية. معظم الناس يتبنّون مبادئاً دون تفكيرٍ في الملاحظاتِ التي أنجبتها [أي المبادئ]. هم يؤمنون أن الأقوالَ المأثورةَ أوجدتْ نفسها، إذا جاز التعبير. لكنّ الفيلسوفَ يأخذ الأقوال المأثورةَ من مصدرها؛ فهو يفحصُ جذورَها ويُدركُ قيمتها الحقيقية، ولا يستخدمُها إلا فيما يُلائمُه.

الحقيقة بالنسبة للفيلسوف ليست كعشيقةٍ تُفسدُ مخيّلته فيعتقدُ أنها موجودةٌ في كل مكان، بل هو يُقنعُ نفسه بالقدرة على كشفها [أي الحقيقة] أينما أدركها. هو لا يخلطها والاحتمالات؛ فما هو صحيحٌ صحيح، وما هو خطأٌ خطأ، وما هو مشكوكٌ مشكوك، وما هو مُحتملٌ مُحتملٌ فقط. لكنّه [أي الفيلسوف] يقوم بأكثر من ذلك، وهاكَ ما يُكمّل الفيلسوف: حين لا يمتلكُ ما يجعلُ رأيه عقلانياً، فهو يعلمُ كيفَ يعيشُ بلا رأي.

الروح الفلسفية إذن روحُ الملاحظةِ والدّقة، والتي [أي الروح الفلسفية] تربط كلّ شيء للمبادئ الحقيقية؛ لكنّ الفيلسوف لا ينمّي عقله فقط، بل يَبلُغُ بنباهته واحتياجاته بعيداً.

فيلسوفنا لا يؤمن بنفي نفسه عن العالم، وهو لا يؤمن أنّه في دولة عدوّة؛ إنّه يتمنى أن يستمتع بخيرات الطبيعة باقتصادٍ حكيم، وهو يتمنى أن يجدَ السعادة بين الآخرين، بل من أجل أن يجدَها [أي السعادة] لا بدَ أن يخلُقها. ولذا يحاولُ أن يتقبّل ما ألقتْه المُصادفة أو الاختيار في دربه، وفي ذات الوقت يجدُ ما يتقبّله هو. إنه [أي الفيلسوف] فردٌ صادق يتمنّى إدخالَ السعادةِ وأن يكون مُنتَفعاً به.

الغالبية العظمى، ممن حرمهم انغماسُهم في الملذّات من التأمل، أفظاظٌ تجاهَ من لا يظنّون أنهم سواسية معهم. الفلاسفة الاعتياديّون الذين يُكثرون التأمّل (أو يتأمّلون بنحو رديء على الأصح)، أفظاظٌ تجاه الجميع؛ فهم يتهرّبون من الناس والناس تتهرب منهم. لكنّ فيلسوفنا الممتلئ بالإنسانيّة يعرفُ كيف يوازن بين عُزلته وتواصله مع الناس. إنه مثل [شخصية] “كريميس” في [مسرحية] “تيرينس” الذي يشعر أنه إنسان، وبأن الإنسانية مُهتمّة بأفراح وأتراح جاره. “أنا رجلٌ، الإنسانُ بالنسبةِ لي ليس غريباً”.

سيكون بلا طائل أن نذكر هنا غيرة الفيلسوف من كل ما يدّعي لنفسه الشرف والنزاهة. المجتمع المدني معبودُه الأرضي إذا جاز التعبير؛ فهو يحرقُ نفسه من أجله [أي من أجل المجتمع المدني]، ويكرّمه بنزاهته والانتباه الدقيق لواجباته، ولديه رغبةٌ صادقةٌ في ألا يكون عضواً غير مُجدٍ أو مصدراً للإحراج [في هذا المجتمع]. شعور النزاهة داخلٌ في آلية تكوين الفيلسوف كدخول تنوّر العقل. كلّما ازداد الفردُ تعقّلاً كلما ازدادت نزاهته. وعلى الجانب الآخر، حيثُما تسيطرُ العصبيةُ والخرافات يسيطر الغضب والأهواء. مزاجُ الفيلسوفِ هو أن يتصرّف وفق روح النظام أو العقل؛ ولأنّه يحب المجتمع بشدّة فلا بد أن يُجهد نفسه أكثر من الآخرين كيلا يُثمر سوى ما يطابق فِكْر الإنسان الصادق.

حبّ المجتمع الضروري جداً للفيلسوف يجعلنا نلاحظ مدى صحة مقولة ماركوس أوريليوس: “كم سيكون الناسُ سعداء حين يكون الفلاسفة ملوكاً والملوكُ فلاسفةً!”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s