ما هو التنوير؟ – إيمانويل كانط

يمكن تحميل المقالة في ملف PDF عن طريق الرابط أدناه:

ما هو التنوير – كانط

إيمانويل كانط
إيمانويل كانط

يعود تاريخ هذه المقالة لأواخر القرن الثامن عشر، حيث كتبها الفيسلوف الألماني إيمانويل كانط ردا على القسيس جوهان فريدريك زولنر، وتم نشرها في “برلين الشهرية”

التنوير هو تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه. الوصاية هي عدم قدرة الفرد على استخدام فهمه الخاص دون توجيه من الآخر. ليس القصور العقلي سبباً في جلب الوصاية، بل السبب انعدام الإقدام والشجاعة على استخدامه [أي العقل] دون توجيه من الآخر. تشجّع لتعلم! [Sapere aude!] “فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص!” — هذا هو شعار التنوير.

الكسلُ والجُبن هما سببا بقاء شريحة كبيرة من البشر قاصرة مدى الحياة، حتى بعدما حررتهم الطبيعة من أي وصاية خارجية، وهما سببا سهولة أن يُنصّب الآخرون أنفسهم أوصياء [على هذه الشريحة]. من السّهل أن يكون المرء قاصراً. حين يكون عندي كتابٌ يُفكر بدلاً عني، وقسيسٌ يؤنبه ضميره بدلاً مني، وطبيبٌ يقرر لي تغذيتي وهكذا دواليك، فلا حاجة لأن أُجهدَ نفسي. لا أحتاج لأن أفكّر، وما دمتُ أستطيع دفع الثمن فسيقوم الآخرون بهذه المهمة الشاقة من أجلي

هؤلاء الأوصياء أخذوا على عاتقهم جعل غالبية البشرية (بما فيها الجنس الناعم) تعتقدُ أن الخطوة التي تؤدي للنضج خطيرة جداً، بالإضافة لكونها صعبة. فبعدما جعل الأوصياء قطيعهم المُستأنس غبياً وحرصوا على أن هذه المخلوقات الوديعة لن تتخذ أيّ خطوة دون الزمام الذي رُبطوا به، بيّن [الأوصياء] المخاطر التي تهددهم [أي القطيع] إذا ما حاولوا المسير بمفردهم. والواقع أن هذه المخاطر ليست جسيمة؛ فبعد التّعثر بضع مرات سيتعلمون المشي. إلا أنّ مثالاً واحداً لهذا الفشل [أي التعثر] سيُرهبهم ويثبّطهم من أي محاولات أخرى.

من الصعب جداً على الفرد أن يتخلص من الوصاية التي أصبحت بمثابة سجيّته. بل حتى أنه صار يهواها، وهو في الحاضر فعلاً غير قادر على استخدام عقله لأنّه حُرم من المحاولة قبلاً. التشريعات والقوانين، هاتين الآليّتين اللتين وضعتا لاستثمار عقلاني لمواهب الفرد الطبيعية، أو انتهاكها ربما، تجلبان وصاية دائمة. والفرد الذي يضع أوزارهما يقفز بلا ثقة حتى فوق أضيق الخنادق لأنه لم يعتد التحرّك بحرية. ولذا فليس هنالك إلا أفرادٌ قليلون نجحوا بجهدهم العقلي في تحرير أنفسهم من العجز والسير بانتظام.

لكن من الممكن جداً للعامّة [في مقابل الأفراد] أن ينوّروا أنفسهم؛ وقتما مُنحوا الحريّة فالتنوير حتمي. سيكون هنالك دائماً مفكرون مستقلّون، حتى في وجود الأوصياء الذين نصبوا أنفسهم على الجمهور، ووقتما تخلصوا من أوزار عبودية الوصاية التي أثقلت ظهورهم فسينشرون فيما بينهم روحاً تَعقِلُ وتقدّر قيمتهم الذاتية أولاً، وواجب كل فرد للتفكير بمفرده ثانياً. إلا أنه يجب التنويه على أن العامة التي وُضعت سابقاً تحت عبودية الأوصياء سيقيّدون هؤلاء الأوصياء حين يُحرضهم على ذلك بعض الأوصياء ممن لا يستطيعون إلا بعض التنوير — كم هو مضرٌّ زرع العصبيات، لأنها لاحقاً ستنتقم من زارعيها أو من تحدّر منهم. لذا فالعامة لا تستطيع نيل التنوير إلا ببطء. ربما يمكن إنهاء استبدادٍ فرديّ أو اضطهادٍ طغيانيّ متعسف بالثّورة، ولكنها [أي الثورة] لن تجلب إصلاحاً حقيقياً لأنماط التفكير. بل أنّ عصبياتٍ جديدة ستستبدل القديمة وتقيّد الجماهير اللا-مُفكرة.

التنوير لا يتطلّب إلا الحرية؛ وأبسطُ ما يمكن تسميته حريّة هو أن يكون الفرد حراً لاستخدام عقله الخاص علنيّاً في كل الأمور. لكنني أسمعُ من الجميع: “لا تجادل!” الضابط يقول: “لا تجادل، نفّذ!” جامع الضرائب يقول: “لا تجادل، ادفع!” القسيس يقول: “لا تجادل، آمنْ!” لا يوجد في العالم إلا أميرٌ [فريدريك العظيم] واحد يقول: “جادل كما تشاء وعمّا تشاء، ولكن أطع!”

نجد في كل مكان قيوداً على الحرية. لكن أيّ هذه القيود يعيق درب التنوير؟ وأيها لا ضرر فيه بل يشجّع عليها؟ أجيب: استخدام الفرد لعقله علنياً يجب دوماً أن يكون غير مقيّد، وهذا وحده ما يجلب التنوير. لكن على الجانب الآخر، فالاستخدام الخصوصي للعقل يمكن أن يُقيّد قليلاً دون أن يضر ذلك بتقدم التنوير. وحين أقول “الاستخدام العلني لعقل الفرد” أعني استخدام الفرد العالِم أمام العامّة المُتعلّمة. وأسمّي “الاستخدام الخصوصي” ذاك الذي يستخدمه الفرد في منصب مدني عُهد إليه. كثير من الشؤون المؤثرة على مصالح المجتمع تتطلّب آلياتٍ معينة تستوجب على بعض أفراد ذلك المجتمع أن يكونوا مُجمعين عليها بدون فاعلية [أي على تلك الآليات] من أجل أن تحقق الحكومة الأهداف المرجوّة أو تمنع على أقل تقدير انقشاع تلك الأهداف. في هذه الحالة يكون الجدال ممنوعاً — لا بدّ على الفرد الإطاعة. لكن إذا ما كان أحد أجزاء هذه الآليّة يرى ذاته في الوقت نفسه جزءاً من نسيج مجتمع عالميّ من المواطنين، فهو يتخذ دور العالِم الذي يخاطب العامّة عبر كتاباته وله أن يجادل دون أن تتضرر الشؤون التي يكون مسؤولاً جزئياً فيها كعضو غير فاعل.

من الخراب إذن أن يجادل ضابطٌ أثناء خدمتهِ جدوى أو ملاءمة أوامر تلقّاها من مرؤوسيه، وعليه أن يطيع. لكنّه كعالِمٍ له حق إبداء ملاحظاته حول الأخطاء في الخدمة العسكرية وعرضها أمام العامة. لا يمكن للمواطن أن يمتنع عن دفع الضرائب المفروضة عليه؛ بل أنّ استنكاراً وقحاً للضرائب المفروضة يُمكن عقابه عليه كونها قد تؤدي لعصيان عام. لكن على الرغم من ذلك، فإن هذا المواطن ذاته، كعالِم، لا يُخالف واجباته الوطنية إذا ما عبّر عن آرائه علناً حول عدم لائقية أو تعسفيّة بعض الضرائب.

القسيس أيضاً لا بد أن يلتزم أمام الجماهير بعقائد الكنيسة التي يخدمها لأنه عُيّن بهذا الشرط. لكنّه، بوصفه عالِماً، يمتلك الحرية الكاملة، بل هو مُلزم، بتبليغ جميع أفكاره (بعد أن يراجعها ويفحصها بعناية) حول المغالطات في تلك العقيدة وطرح رؤاه من أجل تحسين التنظيم والمؤسسة الدينية. ولا شيء يُثقل ضميره [أي القسّ] حين يقوم بذلك، فهو بتعليمه مُنطلقاً من منصبه إنما هو يمثّل الكنيسة، أي أنه يمثّل شيئاً لا يمتلك حريّة التعليم فيه كما يهوى؛ هو عُيّن ليتحدث بأوامر وباسم غيره. سيقول: كنيستنا تُعلّم هذا وذاك، وهذه الأدلة التي تدعم ذلك. ولذا فهو سيفيد الجماهير بأفضل ما يمكن حين يُبلّغ تلك العقائد وإن كان غير مقتنعٍ كلياً بها، والتزامه لكون الحقيقة قد تكون متخفية في طيات العقيدة. وعلى كل حال فلا يوجد في تلك العقائد ما يناقض جوهر الدين، فلو أنّه [أي القسّ] اعتقد بوجود هذه التناقضات فلن يتمكن من إدارة منصبه بضمير صافٍ، ويستوجب عليه تقديم استقالته.

وبناء على ذلك، فاستخدام المُعلّم لعقله أمام جماهيره يُعتبر استخداماً خصوصياً لأن هذا الجمهور يُعتبر محلياً (حتى وإن كان عدده كبيراً)؛ ومن هذا المنظور فالقسيس ليس حراً ولن يكون كذلك، فهو يحمل أوامراً من غيره. لكنّه بوصفه عالماً تُخاطب كتاباته العامّة، فله مُطلق الحرية في استخدام عقله ممثلاً نفسه. أما القول بأن الأوصياء (في الأمور الروحانية) يجب أن يكونوا قاصرين فهذا أمرٌ مستهجن يجر استهجاناً مستمراً.

ولكن هل يمتلك مجتمعٌ من القساوسة (مجمع كنسي مثلاً) حقّ الالتزام بعهد لعقيدةٍ ما غير متغيّرة من أجل التمتع بوصاية مستمرة على أعضاء المجتمع، ومن خلال ذلك [وصاية] على الناس أجمع؟ أقول أن هذا محال. إنْ وُجد هكذا عقد، موضوعٌ من أجل منع التنوير من الوصول للناس، فهو لاغٍ ولا قيمة له وإن ساندته سلطة عليا كالبرلمان أو بعض معاهدات السلام. لا يمكن لحقبة زمنية ما أن تقطع عهداً يُلزم الأجيال اللاحقة مانعةً إياهم من تنمية معرفتهم وتطهير أنفسهم من الأخطاء والمضيّ عموماً في مسيرة التنوير. إن هذا [العهد] جريمة بحق الطبيعة البشرية التي يقعُ قَدَرُها تحديداً في هذه المسيرة، ولذا فالأجيال اللاحقة معذورةٌ تماماً في رفض هذه العهود بحكم كونها كُتبت بلا ترخيص وبنوايا كيديّة. والمحكّ لكل هذه الأمور [العهود] التي يمكن أن تتحوّل لقوانين يكمن فيما إذا كان الناس يقبلون فعلاً أن يضعوا لأنفسهم قانوناً كهذا. طبعاً من الممكن وضعُ عهد ديني كهذا لفترة محدودة من الزمن بانتظار [عهد] أفضل. لكن حتى مع وجود قانون كهذا فلا بُدّ أن يُترك المواطن (وبالخصوص القساوسة) لممارسة دوره بوصفه عالِماً لنشر انتقاداته حول أخطاء المؤسسات القائمة.

وهذا الأمر يستمر حتى يبلُغ وعي العامة حداً، بتوحيد جهود العلماء، يُمكّنهم من إيصال مطالبهم الإصلاحية للسلطة بغرض حماية هذه الجموع التي اجتهدت في إقرار التغييرات على نظام ديني معين دون المساس بالراغبين على البقاء تحت الأنظمة القديمة. أما أن يتمّ الاتفاق على تشريع دينيّ دائمٍ فوق النّقد فهذا (كما هو الحال دوماً في مثل هذه الأحوال) يعتبر تدميراً لتطور الإنسان، وهذا يجب أن يكون ممنوعاً إطلاقاً.

يمكن أن يؤجل الفرد تنوّره لفترة زمنية معينة، لكنّ منع التنوير إجمالاً (سواء كان فردياً أو جماعياً) انتهاكٌ وعبث بحقوق الفرد المقدسة. وما لا يحق للناس تقريره لأنفسهم لا يحق كذلك لملكٍ أن يقرّه، فمكانته [أي الملك] كحاكِم تنبعُ تحديداً من إجماع إرادة الناس. فإذا كان يرى أن الإصلاحيات الدينية مرتبطة بالنظام المدني فله أن يترك الحريّة لرعاياه كي يقوموا بما يستطيعون ويشاؤون من أجل خلاص أرواحهم. مسألة خلاص الأرواح ليست من شأنه [الملك]. لكن من شأنه منعُ فردٍ ما عن قمع آخرَ يحاولُ الخلاصَ باجتهاده. سيكون إجحافاً من سموّه إذا ما اعتزم على التدخل في مثل هذه الشؤون والإشراف على الكتابات التي تعبّر عن آرائهم [أي الرعايا] الدينية علناً، حتى ولو أقدَم على ذلك بتبصّر. فهو حين يقوم بذلك يضعُ نفسه في موقف كما قيل: “قيصر ليس أفضل من النّحَويين”. ويزداد الأمر سوءاً حين يدنو بسلطته فيدعم بعض الطغاة المُستبدّين دينياً في دولته على بقية الناس.

وحين نتساءل: هل نحن نعيش في عصر متنوّر؟ الجواب هو كلا، ولكننا نعيش في عصر التنوير. حتى الآن لا يبدو أن الأفراد قادرون على استخدام عقولهم في المسائل الدينية بثقة وبمنهجية سليمة إلا بتوجيه خارجي. لكننا نمتلك العديد من الدلائل التي تشير على أن الحراك نحو الحقيقة الدينية صار مفتوحاً، وحتى الحواجز المعيقة للتنوير عموماً أو للخلاص من الوصاية بدأت بالتلاشي.

من هذا المنطلق، فهذا هو عصر التنوير، عصر فريدريك العظيم. على الحاكمِ ألا يعتبره مخلاً بكرامته حين يُصرّح أن من واجبه ألا يُمليَ شيئاً لرعاياه، بل هم في ذلك أحرار، وهو أيضاً حين يرفض مُفردة “التسامح” المتغطرسة يُظهر أنه متنوّر بحق، ويستحقّ أن يبجّله العالَم المُمتنّ لكونه أول من حرر البشرية من التبعية (على الأقل على مستوى حكوميّ) وأفسح المجال للجميع لاستخدام عقولهم. وتحت ظله صار القساوسة الشرفاء، لكونهم علماء وبغض النظر عن التزامات مناصبهم، أحراراً لنشر أطروحاتهم من أجل أن يفحصها العالَم، حتى وإن حادت بعضها عن العقيدة السائدة. والأفراد الذين لا يربطهم عقدٌ بمنصبٍ ما هم أولى بالأمر [أي الأطروحات]. روح الحرية هذه تنتشر لما وراء الحدود البروسيّة وتصل لمناطق تتصارع فيها مع عوائق خارجية مُؤسسة من قبل حكومات فشلت في أدراك مصالحها الحقيقية.

بروسيّة فريدريك مثال لامع على أن الحرية ليست فعلاً مُقلقة للنظام أو وحدة النسيج الاجتماعي. فحين لا يتعمّد الفردُ محاولة إبقاء الأفراد في بربريتهم ففي النهاية سيتخلصون منها بأنفسهم تدريجياً.

لقد شدّدتُ على أهم محور في التنوير – تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه، خصوصاً في المسائل الدينية، فحكّامُنا لا يهمّهم أن يكونوا أوصياء على أتباعهم في الفنون والعلوم. وفوق ذلك، فالوصاية الدينية ليست فقط مؤذية جداً، بل مخزية. لكنّ رغبة حاكمٍ مُهيمن في التشجيع على الحرية في الفنون والعلوم تذهب أبعد من ذلك؛ فهو يعلم أنه لا ضرر في السماح لرعاياه باستخدام عقولهم علناً ونشر أطروحاتهم ونقد القوانين الموجودة في سبيل أنظمة أفضل. ولدينا مثالٌ واضحٌ لوجود مثل هذه الحرّية، فلا أحد يُماثل من نوقّر [أي فريدريك].

وحده هذا الفرد المتنوّر [أي فريدريك]، الذي لا يخشى من الظلال، والذي يقود جيشاً منتظماً ضامناً السّلم العام، يجرؤ على قول ما امتنعت سلطات الدول الحرة عن قوله: “جادل كما تشاء وعما تشاء، ولكن أطع!”

نلاحظ في سير الشؤون البشرية هنا (كما في أي مكان آخر يمتلئ بالمفارقات) أموراً مفاجئة وغير متوقَّعة: فازدياد الحرية المدنية يبدو انعكاساً لحرية الناس الفكرية، ولكنّه في الوقت ذاته يخلق حواجزاً لا يمكن تجاوزها؛ أما تراجع الحرية المدنية فهو يُعطي الروح الحرة مساحة لتوسيع حدود قدرتها. يبدو أن الطبيعة إذن زرعت بعناية بذوراً في لبّ صلب لتشجيع وإعلاء الفكر الحر، ثم يتفاعل الفكر بدوره مع أنماط الناس التفكيرية فيمتلك الأفراد قدرة أكبر على التصرف بحرية، ومن ثمّ سيؤثر الفكر على أسس مفاهيم الحكومة والدولة التي ستجد أنّ مصلحتها تكمن في معاملة الفرد بكرامته، وليس كمجرّد آلة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s